الآنسة “,” (فصلة)

إلى … فصلة

” هو… بنت” قالتها الممرضة, و أنا و أمك نتابع صورة لا نفهمها كلية على شاشة تسكن أمامنا… وصوت خرير ماء, و صوت ضربات منتظمة يتردد في تلك الغرفة بالمستشفى. و أسردت الممرضة تفاصيل أكثر… قالت: “ها هي… تجلس بشكل معكوس… رأسها لأسفل… وقدماها لأعلى… ها هي… ألا تلاحظان؟” وكان جسدك أكبر بقليل من أن تجمعه شاشة واحدة… وأكملت الممرضة: “ها هي… تابعا السهم… كما الفصلة” فضحكنا معا. و بعدها لعدة أشهر لم نستقر أنا وأمك على إسم لك… فاتفقنا على أن نسميك مؤقتا كما قالت الممرضة “فصلة”. وصرنا ندعوك كذلك حتى حان موعد ميلادك, وجلسنا ننتظرك وإقترعنا على اسمك إثني عشر مرة وفي كل مرة ننتهي إلى إسم مختلف… واتفقنا لما سؤلنا: ما إسم الطفل؟ أن نسميك لحظة الولادة… وكتبوك مبدئيا “بنت أحمد”.

إنتظار

لم تنم أمك منذ ليلتين إنتظارا لوصولك, و لم ينم أبوك غير ثلاث ساعات سرقها في غفلة ما بين زيارتين للمستشفى. وقد حضرنا بالأمس طلبا لملاقاتك و لكن يبدو أنه كان لك رأي آخر. فقد عقدتي العزم على ألا تخرجي إلينا البارحة… وما إن رجعنا المنزل حتى عاد إلحاحك من أجل اللقاء. فعدنا فجرا طلبا للقائك ثانية ما بين شوق إليك ودفع لألم ألم بأمك. و لم أكن لأتخيل مدى ارتباطك بوالدتك حتى رأيت ذلك بأم عيني على شاشة طبية. فكلما تألمت والدتك, زادت نبضات قلبك مباشرة. وكأنك تصرخين معها لذات الألم. وفي المرة الأولى بعد أن توقفت آلام أمك, بدا أكيدا سعادتك “بشحططتنا” أنا و أمك. فصار نشاطك و كأنه الضعف و زاد رفصك و ركلك وكأنك تسخرين منا… كم أنت مشاكسة يا فصلة!

الوصول

للحظة كدنا نفقدك يا فصلة ولكن الله سلم… للحظة أظلمت أنوار الدنيا, وسمعت طنينا في أذني, و شعرت أنهارا مكتومة في عيني, و لولا بأس الرجولة لانهارت قدماي… و صمدت لأجل أمك… من سواي يشد على يداها ويثبتها؟… حتى خرجتِ –أنت- لنا سالمة… الحمد لله. كانت أول كلماتك يا فصلة… عطسة… إنقشعت بها غيوم الخوف و استقر بها قلب أبويك… و انفرج وجه أُمك برغم آلامها… ولم أقوى على حملك… فوضعتك الممرضة على صدر أمك… و صرت أتحسس جلدك بأصابعي… و أملت رأسي عليك… أقبلك و أُسمِعُكِ أول صوت في أذنك… نعم هو صوتي أول ما سمعتي… وأول كلمة خرجت من فمي لسمعك “الله”… ومن فرط سعادتي كدت أنسى الآذان… ومن روعة ما اختلج نفسي… نسيت الإقامة فأذنت ثانية في أذنك الأخرى… وصرت أمسح على رأس أمك و أنا أتحسس كل جسدك بعيناي… و أعد أنا و أمك الأصابع, و نتأمل الأنف و العينين, ونتلمس شعر الرأس والحواجب و الخدود … و ما تركنا فيك شيئا إلا وشبهناه بأحدنا أو بأهلينا… وصرت أنعم بالنظر إلى وجهك الذي أشرقت بنوره دنيانا… ولم نزل كذلك حتى إطمأنت قلوبنا لحالك… وأخذتك الممرضة لترتدي أول هندامك… وكنت أنا أول من ألبسك هندامك… وصارت يداي ترتعشان و كأني نسيت كيف تغلق تلك الكباسيل… وصرنا نلفك في غطاء و نلفك ونلفك حتى نأمن شر البرد… على الرغم من أن الحجرة دافئة… إلا أن تلك الرعشة التي ملئت جسدك كانت تملأنا نحن… لا أنت.

و أمضينا عدة أيام في المستشفى أذقتي أمك أهوالا في أول ليلتين… لم تنم المسكينة. لم أكن أنا مفيد بأي شكل… فحين تبدئين بالصراخ… هو شئ واحد ما تريدين… وأنا لا أوفيه! حتى حضرت ممرضة عجوز أخرى لتأخذ عينة من دمك كما جرت العادة… و ذهبت أنا معك. ولم تتحمل أمك رؤية تلك الممرضة الشمطاء وهي تثقب يدك بإبرة دقيقة… و حملتك أنا و وقفنا بين يديها… وتلقفت يداك الصغيرة لتأخذ العينة… وغرزت في يدك الإبرة و كأنها تطعنها في قلبي أنا… وكأنها تؤلمني قبلك…

و أحاطت أناملك الدقيقة الأخرى بإصبع لي… وصارت الممرضة الحيزبون تأخذ الإبرة و توردها حتى تصل لوريدك… وكلما أفلت وريدك… صارت توردها تارة أخرى… وأنا أتألم أكثرمنك لما تفعل… وكدت أصفعها و أركلها وأدق عظامها و لربما قتلتها لو استمر الأمر لثانية أخرى… حتى نجحت… وأنا أهدهدك ما استطعت… وأنت تقبضين علي إصبعي بأناملك ما أعانك ضعفك…

وكأنك تأخذين القوة مني… و صارت تأخذ من دمك و كأن دمي أنا من يصفى ومازالت تضعه في دوائر التحليل و أنا أكاد أبكي… والممرضة الحيزبون تمازحني سائلة “هل يفعلون ذلك في بلادكم”… فأجبتها بحدة: لم أنجب من قبل. وحدثت نفسي “إنتهي وإلا أنهيت أنا حياتك لأجل شكة إبنتي!”. ومن يومها صار تقليدا… تنالين إصبعي و تتعلقين به… ولا تفعلين ذلك مع أمك… وصارت أمك تنعنتني أنا وأنت ب “الأوغاد” على علاقتنا الطيبة برغم ما تقدم هي من مجهود لا ينقطع ولا تحظى بالمثل… على الأقل لدي شئ واحد تحبيه… كما أنا كلي أحبك!

أمك عانت كثيرا لأجلك… ولا تنام الليل حتى تأكلين… و لا ينقطع صوت بكائك في أذناها حتى وأنت نائمة… ولا تهنأ بنومها لأجلك… ولا تنفك تفجع وهي نائمة حين تشعر ببعدك عن صدرها. أمك تقول أنا وأنت نرتعش حين تصيبنا الأحلام في نومنا… ويبدو أن أحلامنا كثيرة… ولكن صدقي أبوك حين يقول أنه رآك قبل أمك, وصدقيه حين يقول أنه أول من غسل عيناك بنور الشمس, وصدقيه حين يقول تطلعتي بعيناك للسماء وكأنك أنت من يضيئها لا الشمس, وهو على حق في كل ذلك… ولكن أمك تبذل مجهودا أكثر واقعية من كل ذلك… خاصة في موضوع الغسيل! إن كانت علاقتي بك قدر إصبع… فأنت كلك لأمك…. و أمك تتحملنا نحن الإثنين… فاستوصي بها خيرا.

كانت لي طفلة … أصبحا إثنتين.

أحمد عبد الحميد
باحث بأوروبا البلد

وهكذا بدأت حياة فصلة منذ 20.10.2010

  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

أنا.... أقلية
البعض يرون أن الحج هو ”حلفة جنون كبيرة“ إذ ما الذي يدفع كل هؤلاء المجاذيب لخ...
محاكمة المستشار هشام البسطويسي
في لقاء جمع المستشار هشام البسطويسي بالجالية المصرية في بلجيكا, طرح الحضور ب...
تدوينة 10: الإرهابي
- "إننا نقوم بالقتل و الخنق, حتى إن صرخات اليائسين و الموتى باتت تختلط بثغاء ال...
المقامة الحيوانية… حقوق
المذيع للمصري المهاجر: "ماذا كان شعورك لما حصلت على الجنسية الانجليزية؟" الم...
الرضا
قالت: أطلب شيئا ً ... أحب أن أسعدك أنا الأخرى

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com