قلب أحمد

تعزف سيمفونية بصوتها… سيمفونية لا تنقطع. ليست عذبة كما تظن.. فهي لا تعبأ كثيرا بعملي في صباح اليوم التالي… لذا… أحيانا أتأفف منها. حين تبدأ في الغناء, يرتفع صوتها فوق الترددات الطبيعية للبشر… هي أنثى كغيرها… ولكن ربما هذه ميزة الخالق لمن هم في مثل عمرها… حين تبدأ في العزف بصوتها يخترق صوتها كل الجدران, كل الآذان, كل القلوب بلا استأذان… فيرتج كل ما في كيانك, بل كل ما في المنزل… بما في ذلك الجيران, فيبدأون بالعزف هم أيضا على سقف بيتك!!


لم تقوى بعد على المشي, و تحزن لو اعطيتها أنا و أمها ظهورنا ولو كان ذلك في صلاة… تريد عيناك في عينيها طوال الوقت. و كيف لك أن تدع النظر إلى هذا المعين المتلألئ؟! في عينيها كل أنوار الدنيا بكل ألوان البهجة التي لم يعرفها البشر بعد. يكفي أن تقفز كما البهلوان أمامها غير عابئ بوقار ولا سكينة فترى حدقة عيناها تفتح لآخرها و ترمقك بضحكة بوجنتيها الصغيرتين و تبدأ بالرفس بأقصى طاقتها… وهي عاجزة عن المشي بعد. أمعن في اللعب معها و ستجد نفسك أمامها وهي تقفز في مخدعها كما حبة الذرة في طاسة زيت!!

أول أمس بدأت في العزف طوال الليل ومنعتني النوم وهي تعلم أن لدي سفرا باكر ذلك اليوم… يأست أمها منها… حملتها على يد واحدة وأنا نائم على ظهري و وجهها إلي… تحديتها… بنظرة غاضبة في عينها… وصرت أنزلها و أرفعها علها تسكت. فإذا بنا نسمع طرقعة مفجعة يلحقها ابتسامة من وجهها… و هدأ كل شئ ونامت.

وقفت أمام الطلبة أشرح لهم كذا و كذا و قلبي معلق بتلك المشاغبة في المنزل. كنت على سفر ولم أشتق لأمها كما أشتاق لتلك المشكلة التي منعتني النوم بالأمس. و رأيت نفسي أبتسم في بلاهة لم أعتدها إلا حين دق قلب المراهق منذ أعوام عديدة… يبدو أني أحب تلك البنت!!

أنهيت الدرس, أغلقت الحاسب بعصبية, لملمت أشيائي… وشعرت بوخز لا ينقطع في قلبي… ألم يعتصر أوصالي… لم أكن بعيدا كل البعد عنها… هي ساعة ونصف تفصلني أنا وهي. هرولت لمحطة القطار و وقفت أمام تلك الشاشة أتابع جدول القطارات… أريد أن أراها… أحب أن أعود إليها الآن. وقرابة ساعة السفر و طيفها لا يخرج من خيالي. مُنعت قراءة ما كان معي من الكتب… أي شوق ذلك الذي يحرك رجلا مثلي لشئ مثلها… لم تكن بعد حتى كائنا… هي بالكاد شئ…. شئ نبع من ماء حياتي… لا أكثر… لا تجيد حتى الرد… بأكثر من إبتسامة… لكم أعشق ابتسامتها و هي تنظر للسماء… لم أر خلقا لله أروع و لا أغلى و لا أحلى من ابتسامتها حين ترى الشمس…

و وصلت للمدينة, صرت أعد الخطى للمنزل… تذكرتها وهي تحاول التعلق بغطائها… ربما أشتري لها هدية؟ ولكنها لن تفهم!! ليكن… سأشتري الهدية… و دخلت ذلك المحل… و غرقت في لعب الأطفال. كل ما أريده شئ تتدرب به على حمل الأشياء… وبعد نصف ساعة بحث وصلت لما أبغي.

عدت للمنزل… رأتني… ابتسمت… فتحت الدمية و هززتها في يدي فأخرجت صوتا… و أعطيتها لتمسكها بدلا من إصبعي الذي اعتادت أن تتعلق به… امسكته… وضعته أمام حاجبيها و اختلفت عيناها… هذا الشئ الجديد عليها… و من ثم هزته!! لم أكن اصدق أنها تعلمت ذلك… و ابتسمتُ… وابتسمتْ… و صارت تسكن وتهتز… و تهز الدمية… و الدمية تخرج صوتا… و حملتها… ولم أملك نفسي و أنا أقول لها “يا قلب أحمد… يا قلب أحمد”.

أحمد عبد الحميد
باحث مصري بأوروبا البلد
بلجيكا-لوفان
مارس 2011

  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

مجلة من أوروبا البلد 5 || قط شيرازي في ملاهي الثورة
عدد يونيو من مجلة "من أوروبا البلد" و هو العدد الرابع من تحرير إنجي فودة. و يكت...
درس تأديب في السياسة… لمرشحي الرئاسة: أبو الفتوح و أبو ...
لا أرى أن "أولاد" أبو إسماعيل أو "أولاد" أبو الفتوح قادرين على الحل, إذ هم مفتون...
المستشار هشام البسطويسي يجيب: الدستور أولا أم لا؟
المشهد الحالي يشهد بثلاثة تحديات: تحدي أمني, تحدي إقتصادي, و أخيرا عدم وضوح رؤ...
تدوينة 6: معالم على طريق الصدمة الحضارية لمسافر
يبدأ في طرح الأسئلة التي تهاجم كل المسلمات... أعني كل المسلمات, أقصد فعلا كل ا...
بيعت مصر بزيتونة
قدر الله و جلسنا مع جماعة فيها أخ من مصر و طفليه و أخ جزائري عزيز و آخرون من بق...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com