أخطر رجل في العالم


“خطير بشكل استثنائي” هكذا علق عليه أحد الدبلوماسيين الأمريكيين و الرجل في قلب أمريكا في مكتب وزارة الخارجية مع هيلاري كلينتون. و تسرب الخبر عبر موقع ويكي ليكس إلى الرجل نفسه في حينها و أصبح يعلم أنه بالنسبة لمضيفيه “أخطر رجل في العالم” و لم يكن من المواجهة بد. ضع نفسك للحظة مكان الرجل, كيف كان يشعر؟ كيف كان يفكر؟ ما الذي سيفعله وهو ممثل دبلوماسي لبلاده و هو يُسأل ممن قال عنه هذا: هل أنت فعلا رجل خطير؟! فما كان منه إلا أن ابتسم في هدوء أستاذ و علق تعليقا يليق بمهندس سياسة: ” هل أبدو كرجل خطير؟ حين أنظر إلى المرآة لا أرى وجها خطيرا” و يكمل برزانة و ثبات: ” لا نأخذ هذه التصريحات على محمل الجد”.

وجدت نفسي أضع يدي في يد الرجل و أنا أصافحه بشدة و أشعر بأرواح الأجداد تسري بين يدينا, فيه طاقة أصالة و اعتزاز بشخصه و زهد في منصبه و رؤية واضحة لم أعتد أن أراهما في من هم في مثل موقعه, ليس فقط في بلادنا بل في بلاد العالم جمعاء. قامته ليست طويلة و وجهه يعلوه ابتسامة تشعر أنها جزء محفور في معالم وجهه, استمع بعقلك لحديثه قليلا و ستعرف أنه يمتلك رؤية و حلما لمنطقة بأكملها… ليس فقط لوطنه. أمعن النظر في عينيه عن قرب وبعدها ترى رؤية لآلاف الأميال في المستقبل, رؤية فيها كيف تحدد رؤيتنا –نحن- الإقليمية وجه العالم في المستقبل؟

هو البروفيسور أحمد داود أوغلو, وزير خارجية تركيا و مهندس سياستها الخارجية. حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية و العلاقات الدولية في جامعة البوسفور باسطنبول و عمل رئيسا لقسم العلاقات الدولية في جامعة بايكنت باسطنبول أيضا, قبل أن يعين مستشارا لرئاسة مجلس الوزراء التركي إثر تشكيل حزب العدالة و التنمية للحكومة عام 2002. ولكن ما الذي يدفع الأمريكيين أن يصفوه بأنه رجل خطير بشكل استثنائي “exceptionally dangerous” ؟

سعدنا بحضور كلمة له و اجتماع مغلق على هامش منتدى الجزيرة السادس لهذا العام. وقد كان في كليهما وضوح في عدة أفكار, اخترت منها لكم فكرتين فقط و أنهي هذا المقال بالستة مبادئ التي تبني عليهم تركيا سياستها الخارجية كما ذكرها هو في كتابه “العمق الاستراتيجي: موقع تركيا و دورها في الساحة الدولية” و استنادا إلى ذلك ربما نفهم سبب وصفه بالرجل الخطير بل بالرجل “الأخطر في العالم” كما داعبه أحد الدبلوماسيين في أمريكا. و سأذكر فيما يلي ما ورد على لسانه و يصلح للنشر هنا بقدر ما تسعفني ذاكرتي و لكن عذري أن روح الحديث واحد و إن اختلف منطوقه قليلا.

أولا: فكرة المنطقة الواحدة

حضر أحدهم لمنطقتنا, منذ عدة أعوام ليست ببعيدة ربما في القرن 18 أو ال 19, لا يهم, الأهم أنه قسمنا: أنت اسمك ليبي و أنت مصري و أنت تركي و أنت أردني و أنت جزائري… وقسم بلادنا بخطوط مستقيمة مرسومة بمسطرة على الخريطة و في الواقع: نحن في الأصل عائلة واحدة. انظر مثلا ابن خلدون قد ولد في تونس… حينما تحدثت للتوانسة أخبرتهم: أنتم أحفاد ابن خلدون الذي علم الدنيا السياسة. ابن خلدون الذي ولد في تونس سافر إلى ليبيا و منها إلى مصر, ومثله ابن عربي –وإن اختلفنا معه- الذي ولد في الأندلس و توفي في دمشق, كلاهما أبناء هذه “المنطقة”. هذه المنطقة و لا أحب أن أسميها الشرق الأوسط فهي كلها جسد واحد. لم يكن حينها لدى هؤلاء ما نملك الآن من أدوات الاتصال و السفر و لكننا “منطقة واحدة” تربطنا مصالح و هوية ولدينا خلفية سياسية ضاربة في عمق التاريخ. لقد صنعنا نحن التاريخ لا لعشرات الأعوام, و ليس لمئات الأعوام… بل لآلاف الأعوام. لم تكن هناك حضارة في العالم مثل أولئك اللائي قمن في منطقتنا من حضارات بما فيها حضارة الفرس. و لتركيا علاقات جيدة مع مصر و الخليج و إيران و سوريا… ما الذي يمنعنا من وحدة وتكامل في المنطقة؟ هي المصالح إذا.

يجب علينا أن نزيد من مصالحنا سويا داخل المنطقة, حينها, فقط, سنقرر نحن مصيرنا, دون الرجوع لكيانات خارجية, و سنحدد للعالم أجمع برؤيتنا –نحن- كيف يسير العالم في المستقبل. قاطعني أحدهم ذات مرة قائلا تركيا تريد أن تكون قوة إسلامية عظمى باتجاهها قبل المشرق في سياستها الخارجية؟ و أجيب ببساطة كيف و تركيا محاطة بثمانية دول أغلبها ليست مسلمة؟! تركيا تهتم أولا بمصالحنا –كلنا- في المنطقة, بمنطقة واحدة. منطقة واحدة بها نفتح الطريق لأجيالنا الجديدة حتى يتحدد القرن القادم برؤية منطقتنا. أنا أحلم بأن يأتي يوم يدخل فيه جيراننا إلى بلادنا بلا حتى مراجعة جوازات السفر, ليس فقط إلغاء التأشيرات. أحلم أن يأتي يوم تستيقظ صباحا في أنقرة و تقرر أن تذهب للقاهرة و طرابلس بالسيارة فتمر على كل البلدان وتتوقف كيفما شئت بلا جوازات سفر.

نحن كيان واحد. منطقة واحدة. مصالحنا مشتركة.

لا نريد قول هذا عربي و هذا غير عربي و هذا فارسي… هذا شيعي ذاك سني… هذا مسلم وذلك غير مسلم… نريد الوحدة لـ “منطقتنا” ولكن كيف ذلك؟

ثانيا: الطريق إلى الوحدة و النمو

إذا أردت المضي قدما في الطريق إلى الوحدة و النمو كل ما عليك هو: أولا أن تثق في نفسك بحكم موروثك التاريخي. ثانيا أن تستخدم اللغة الصحيحة فلا تميل لتدافع عن أفكار بعينها ولكن عن “قيم” صحيحة تتفق عليها كل تلك الأيديولوجيات, و من ثم استخدام الشعارات الصحيحة التي تدعم موقفك. نحن مثلا في تركيا اتخذنا مكافحة الفساد شعارا و كان ذلك وحده كافيا أن يغير الدخل القومي في عام 2002 من 250 بليون دولار إلى 750 بليون دولار في العام الماضي.

الناس هم أساس شرعيتنا, يجب علينا كـ
–حكام و صانعي قرار- أن نعيش بين الناس لا أن نراهم من خلف زجاج السيارات العازل. نحن والناس كيان واحد و مستقبلنا واحد, في خلال الثمانية أعوام الماضية لم نملك فيهم البترول, كيف كان لنا أن نصل إلى ما وصلنا إليه بدون الناس؟ هم النجاح الحقيقي, لذا يجب علينا أن ندعمهم طوال الوقت. وأن نعيش في وسطهم في ذات مشاكلهم. يجب علينا–قادة الرأي و الحكام- مشاركة الناس نجاحاتنا و إبقاء رسائل إيجابية طوال الوقت, بذلك فقط نحفزهم للعمل أكثر و أكثر ونحظى بالنهضة التي نتمناها
لـ “منطقتنا”, انظروا الآن تركيا في مصاف ال 16 دولة الأكبر اقتصاديا في العالم, شاركوا نجاحاتكم و نجاح الناس بشكل مستمر.

نحن –تركيا- التزمنا في سياستنا الخارجية بستة مبادئ حتى يتسنى لنا تحقيق سياسة خارجية إيجابية و فعالة:

المبدأ الأول: هو التوازن السليم بين الحرية و الأمن. و المبدأ الثاني: يعتمد على سياسة تصفير المشكلات مع دول الجوار. والمبدأ الثالث: يقوم على التأثير في الأقاليم الداخلية و الخارجية. و المبدأ الرابع: هو مبدأ السياسة الخارجية متعددة الأبعاد. والمبدأ الخامس: هو مبدأ الدبلوماسية المتناغمة. و المبدأ السادس: هو اتباع اسلوب دبلوماسي جديد. وقد خاض فيها كلها بإسهاب في كتابه {1}

و الخلاصة, هو رجل سأله شباب ائتلاف الثورة المصرية عند مقابلتهم له في القاهرة قبل أيام: أين كنت تسكن في القاهرة؟ فأجاب بالعربية: في أول فيصل! و هو رجل ينتمي لمدرسة الرئيس جول, و مدرسة أردوغان. تلك مدرسة حزب العدالة و التنمية. المدرسة التي فيها يهل رئيس الجامعة العربية عمرو موسى للقاء الرئيس التركي عبد الله جول في السفارة التركية بالقاهرة, فيطلب منه الرئيس الانتظار قليلا, إحتراما لاجتماعه المنعقد مع شباب الثورة المصرية. ورجلنا رجل مثله, فقد آثر إجتماعه بنا معشر شباب الثورة العربي, على موعد له مع رئيس وزراء آخر. و هو نفس الرجل الذي نهر بدعابة أحد شباب ائتلاف الثورة المصرية حين شرع الشاب في سؤاله بالعامية, فقاطعه الرجل قائلا بابتسامة صارمة: فصحى. هو الرجل الذي يداعب التاريخ فينا بكلمات من ابن خلدون و الفارابي و أحلام الوحدة و المصالح المشتركة. أوغلو, الرجل الذي سكن أول فيصل… فعلا رجل جد خطير, فهل تؤمن برؤيته و تعمل لها؟

منطقة واحدة, فيها مصالحنا, أولا.


أحمد عبد الحميد

14 مارس 2011
الدوحة -- قطر

قراءات مقترحة:

  1. كتابه: العمق الاستراتيجي: موقع تركيا و دورها في الساحة الدولية. صادر عن مركز الجزيرة للدراسات.
  2. مقال متعلق بحادثة ويكي ليكس المذكورة: هنا
  3. مقال هام له رشحه أوغلو بنفسه للشباب: Rewriting Contemporary Muslim Politics: A Twentieth-Century Periodization : هنا
    4. فيديو للقاء


  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

هل نعيد "اختراع" النانو و الفيمتو و... اليوكتو؟!
لم يكن انبهار العالم بهذا البعد الجديد شيئا هينا, فها نحن نعرف أنواع فيروسات ...
تدوينة 3: افطار – جحر – اندماج
الأحد, لا أحد يعمل اليوم, كل المحال مغلقة, هو يوم عبادة وقليل هم من يذهبون إلى ...
هو العمدة بيحبنا؟
نراه يكره إلتقائنا ببعضنا... نراه يعاقبنا إن تحدثنا عنه... بل و يهزئ بأزكانا خل...
قلبي
قلبي لو أن له أقدام… لما سار إلا تجاهك لو أن له شراع… لما أبحر إلا فيك لو أن ...
فـِـي سَــمَـاءٍ
فـِـي سَــمَـاءٍ فـِـي سَــمَـاءٍ...... أنـتِ نـَجـمـَتــُها ومـَا عَـداكِ ك...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com