لماذا تشتري هذه البضاعة؟

يخالجني شعور أنك… ربما… يجوز… قد… تخالفني الرأي. هو حقك, هذه ليست مشكلة. و يخالجني شعور آخر أنك تدافع عن رأيه لأنك تحبه أو لأنك تتعلق بطول ذقنه أو برابطة عنقه الأنيقة, أو حتى بدلاية السلسلة في رقبته. أو تكره كل ذلك, وتسبه… لا يهم, فقد تعودت ذلك من غيرك. كل ما أحب أن أزعزعه في عقلك الآن هو فتنة أخرى, أحب أن ترى عقلك عاريا أمام نفسك.


أولويات

قال:”أفرق بين الفكرة و حاملها. لا أحب القوم لأنهم يتفقون معي في رأي من الآراء. غالبا أعجب بالقوم لآخلاقهم و قيمهم التي يدافعون عنها كآدمين. لذا فبرغم أني أرى أن معظم النصوص السلفية و الوهابية هي مجرد قصص خرافية مبنيه على عدم احترام الأنفس بكونها كائنات ذكية في المقام الأول, فأنا في حقيقة الأمر أعرف أن ملايين السلفيين و الوهابيين هم أشخاص أكثر من رائعون”

ما الذي يجب أن نبدأ بمناقشته؟ قبل أن نبدأ النقاش, أريدك أن تسجل في عقلك الآن ما أول شئ بدر في ذهنك ؟ خذ وقتك… راجع الفقرة أعلاه. لا تتعجل.

هل وجدت نفسك مدفوعا للدفاع أو الهجوم على السلفيين أو كاتب الأسطر أو السؤال عنهما؟ إن كان كذلك فلديك مشكلة كبيرة في عقلك اسمها: فتنة الأشخاص. قائل النص السابق هو شخص ما. ولكن من هو ذلك الشخص؟ هل يهم؟ بالطبع لا! فأهم من الشخص الفكرة التي يوردها. هو سيموت في بضعة أعوام أما ما نقلته أنا عنه أعلاه فلن يموت. لنناقشه إذا…

فتنة الأشخاص

أزعم أنك –ربما- فشلت في تحليلك للنص, و بدلا من أن تناقش ما يحمل من فكرة “التفريق بين الفكرة و حاملها” شرعت في الهجوم عليه أو الدفاع عن المثل الذي ضربه. ومثال ذلك عندنا: لما تهجم الأسواني على أحمد شفيق فترك الجميع الموضوع وانخرط الكل في تحليل اسلوب الأسواني و من ثم الهجوم عليه أو الدفاع عن شخصه. و مثال ذلك أيضا لما أخبرنا أحد الأصدقاء عن أجواء الثورة بين عشيرته: “لن تفهموا ما حدث, هي فتنة بكل المقاييس. شوفنا شباب ببنطلونات واقعة بتدافع عن البلد… وناس محترمة ساكتة… الواحد ما بقاش عارف فين الصح من الغلط” حسنا, هل ترى فتنة الأشخاص؟ إذا كانت المشكلة هي الدفاع عن الوطن أو أخذ الحق المغتصب فأين الفتنة؟ الفتنة في عقل المتحدث, هو مفتون بالأشخاص لا بالأفكار.

وأنت, أين الأولويات في عقلك؟ كيف هي مصفوفة داخل رأسك؟ كيف ترى موضوعا يطرح أمامك؟ كأهرامات كبيرة وصغيرة؟ ك كرات متساوية الحجم متساوية الأولوية؟ ما هي أولويات النقاش؟ هل هي الإسلوب أم الشخص أم الموضوع قيد النقاش؟ تخيل الفكرة كهرم قوائمه زمانها وقائلها و أسلوبه ومكانها ولكن ذروة الهرم هو دائما الفكرة, هي الموضوع. المفترض أن يكون أول شئ تنظر إليه و تناقشه هو الفكرة لا الأشخاص. لنرتب عقولنا ثانية.

.كسوة القلب و العقل

يقول ابن عطاء ” كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز” وكذا نقول كل إناء بما فيه ينضح, دعنا نتفق إذا أن الإسلوب و المرسل دعامتين هامتين. ولكن أزعم أن أهم منهما الفكرة وإن كرهنا الإسلوب و المرسل. و عليه فحين أنظر لأمر ما أول ما أُعليه فوق كل شئ هو “الفكرة” و ليس الشخص. الشخص قد تكرهه و قد تحبه و قد تثق فيه من عدمه, أما الفكرة فهي بضاعته إليك ولن تدخل رأسك إلا إذا سمحت أنت بذلك فلا يكونن سماحك لفكرته بأن تغزو عقلك لأنك تحبه و كفى بذلك سببا!

الآن, أنت كيف ترى عقلك؟ هل أنت مفتون بذلك السياسي؟ بهذا الشيخ؟ بذاك العالم؟ أم بأفكارهم؟ هل أنت مفتون بالأشخاص أم بالأفكار؟ أجب نفسك و كن صريحا!

إسأل نفسك دائما: لماذا تشتري هذه البضاعة؟

من الآن, حبذا حين تنظر لذلك السياسي ألا تنظر إلى رابطة عنقه الأنيقة ولا للكلام المنظوم المتقطر من فيه بل تابع ما يحمله من فكر يصدره إليك, ومن ثم قارنه بما فعل و يفعل. و حبذا حين تستمع إلى شيخا ألا تعلق بصرك بكبر عمامته ولا تعلق قلبك بوسامته, فقط اسمع ما يورد من أفكار حتى وإن كنت تثق فيه, ومن ثم انتقدها واطلب منه أن يقنعك, لأنه حقك عليه. و حبذا حين يتحدث إليك عالم ألا تنظر إلى طول سيرته الذاتيه بل ناقش ما يورده إلى عقلك من أفكار, وانتقده بضده ودع الفكر الأقوى ينتصر في عقلك. ضع خطا أحمر ما بين قلبك و عقلك. و لا تعطلن عمل عقلك لأن قلبك يهوى شخصا ما.

كن تاجرا فذا

كن تاجرا فذا و اشتري البضاعة ممن تشاء, فقط إحرص أن تعرف لماذا اشتريت: هل لأنك مفتون بالشخص؟ أم لأنك مفتون بالفكرة؟ وحين تبدأ في النقد اعرف هل انتقادك لشخصه كـ “بلوفر” يرتديه أو لـ “تهتهته” في الكلام؟ أو لهيئة هو عليها؟ أو لسابقة فعل؟ أم أنك فعلا تنتقد رأي أو فكرة هو يبيعها لك؟ فرق بين حبك للشخص أو كرهك له وما يحمل من فكر. في تلك اللحظة, حينها فقط, حين ترفض فكرة يحملها شخص ما, ستتحمل العيش معه في بلد واحد وإن كرهت طريقته و ربما تحبه, و ستتمكن من محاسبته و إن أحببته و أنت كاره لفعله. لتكن مفتونا بالأفكار لا بالأشخاص. فالأشخاص تموت… وحدها الأفكار تعيش.

لقد تمت زعزعة فكرة في رأسك, وبدأت أخرى تتسلل لعقلك… لتناقشها… ولكن بماذا ستبدأ؟!


أحمد عبد الحميد
باحث بأوروبا البلد
مارس 2011

  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

مجلة من أوروبا البلد 5 || قط شيرازي في ملاهي الثورة
عدد يونيو من مجلة "من أوروبا البلد" و هو العدد الرابع من تحرير إنجي فودة. و يكت...
الشريحة... بداخلك!
ما هو السر وراء ألعاب آي فون و آي باد و ويي التفاعلية؟ ماذا لو أخبرتك أن هناك ح...
المقامة الكينية... هلوسات وكوابيس أسد
لا أظنك تنتظر مني في هذا المقام أن أحكي لك عن هواء كينيا العليل, ولا طبيعتها ا...
من مصر البلد 1
... فإذا بأحدهم يسأل عن الصهيونية و علاقتها باليهودية, فيفتي أحدهم بأن الصهيو...
التدوينة 18: عقلي الجميل
كم مرة جلست في الامتحان تحاول عابثا أن تتذكر الجواب الصحيح الذي تصر على أنك ت...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com