تدوينة 6: معالم على طريق الصدمة الحضارية لمسافر


أخرج من البناية, أضع يدي في جيبي فأجد مفتاح الدراجة التي سرقت منذ عامين للمرة الثالثة, أمني نفسي أني سأجدها للمرة الرابعة! أعيد المفتاح لجيبي و أمضي في طريقي. أتخذ طريقا من ثلاثة طرق تؤدي لإحدى محطتين للحافلات بالقرب من المنزل. هو شارع ضيق…. يسبقه ممر صغير. و الشارع الضيق كله مطاعم تحتل بكراسيها ثلثي الشارع, ربما لأنه شارع مشاه وهو مصمم أصلا لتلك المطاعم؟ أتجاوز المطعم الإيطالي الذي أعرفه برائحة البيتزا النفاذة في طريق عودتي كل يوم. أمر على المطاعم واحدا تلو الآخر, أرفع يدي بالتحية لصاحب أحد المحال المسلمين, لا أعرفه… ولكن يبدو أنه يعرفني. بجانبه محل آخر… على مدخله تمثال ضخم لخنزير. أنظر إليه وأضحك… أسميه خنزير “سيناريو الوغد” الذي اعتدت أن أحطم رأس كل القادمين الجدد –لأوروبا- عليه, لأني أحبهم.

دعك من سيناريو الوغد الآن, سأقصه عليك لاحقا. يظن البعض أن القادم للغرب يتحول قسرا إلى شخص متسيب أخلاقيا بشكل أو بآخر, على أن الاعتقاد الخاطئ يمكن تفنيده بضرب المثل بالسيد قطب, الذي بنى أكثر أفكاره أصولية في أمريكا نفسها, بل و وصف المجتمع الأمريكي كله بالجاهلية. و الذي أستطيع أن أؤكده لك, يضطر المرء قسرا أن يأخذ أقصى اليمين أو اليسار بادئ ذي بدأ و من ثم يبدأ تشكيل نفسه من جديد… ما بين ماء و صخر!

لا يشعر الرجل بأنه أصابه صدمة حضارية, فجأة تتلاشى كل قيود المجتمع المفروضة عليه, عادات السلام, التحية, الأكل, الوقوف أو الجلوس, الملبس… الهوايات. كل ما كان ممنوعا في وطنه ربما هنا مسموح, و ما كان عاديا ربما أصبح محرما, هناك فروض جديدة… ومساحات حرية أخرى. و يبدأ بعد قليل الإنبهار, بالفنون, بالتكنولوجيا, بوسائل المواصلات, بالهواتف النقالة…. باختصار فتنة لا يشعر المرء بنفسه أنه قد تم الزج برأسه فيها, ولكل مرء فتنة, أحب أن أسميها أنا “الصدمة الحضارية”. أحدهم قد يبدأ في البحث و المتابعة لآخر أخبار الهواتف المحمولة أو للطائرات الورقية, للقفز من المظلات, للبيانو, للتانجو… أو كل تلك الأشياء الغريبة في موطننا و التي قد يعيب الأهل عليه فعلها أو الاقتراب منها…. لحظة ما معنى “يعيب”؟ أذكر أني قلت لأحد الأصدقاء في أول أعوامي في أوروبا: ” بس كده عيب يا فلان” فنظر في وجهي وودع ما كان يطهو لي, و قال “يااااه… عيب… بقالي كتير ما سمعتش الكلمة دي… أنتم لسه بتقولوها في مصر!!”.

برفع القيود عن الإنسان, يبدأ في معرفة نفسه. يظن البعض أن الناس ستعرفه…. ولكنه يعرف نفسه أولا. فما كان يفعله بدافع الخوف من الأب, من احترام الجيران, بحسب عادات الأصحاب… لم يعد هنا ما يدفعه لفعله الآن. هو يفعل الأمر لأنه يريد أن يفعله… ويمتنع فقط لأنه لا يرغب. لا يتدخل أحد في أي شئ. وتأخذ الثقافة الطاغية عليه مسراها… فإما أن ينفتح إنفتاحا يتوه به –ولو مؤقتا- في غياهب ما إن أن ينكوي بنارها إما يعود… و إما يخرج بلا رجعة. أو على النقيض قد “يتقوقع” المرء أملا في الحفاظ على ممتلكاته الثقافية و النفسية… في كل الأحوال, مع مرور الوقت إما يصبح كالماء ينساب ما بين الأشياء بلا شكل واضح, يأخذ شكل الإناء الذي وضع فيه. أو يبدأ في حفر جدار شخصيته كما الصخور… يبدأ في طرح الأسئلة التي تهاجم كل المسلمات… أعني كل المسلمات, أقصد فعلا كل المسلمات! هل نحن أفضل قوم؟ من نحن؟ ما معنى كملة قوم؟ هوية؟ انتماء؟ دين؟ رب؟ إله؟ خالق؟ كون؟ عقيدة؟ إيمان؟ الله؟ أخلاق؟ خير؟ شر؟ جميل؟ قبيح؟؟! يتغير من السؤال المتعاد “لماذ؟” يفعل أو يقبل هؤلاء المجاذيب شيئا كهذا إلى شخص يسأل أولا قبل التعجب “لم لا؟”. تتأصل في نفسه الأفعال لأنه تحقق من المفاهيم… يتحول كل سؤال في نفسه إلى مفهوم حاد… مصقول بأطراف قوية كما الصخور, و يتحول المفهوم إلى سلوك… ومنه إلى فعل… ولكن الفرق أنه يدرك عند كل فعل لماذا يفعل ذلك؟

ربما هي مزية السفر, لذا صدقني, لو لم تسافر مع رجلا ما, فأنت لا تعرفه! وأخبرك من بعد السفر, اثنان لا ثالث لهما يفرقان بين الرجل و صاحبه… مال و امرأة, فإن تجاوزا ذلك فلا مفرق بينهما إلا أمر الله.

كيف تتغلب على الصدمة الحضارية؟ بأن تكون واعيا في أي المراحل أنت. هل أنت عند الصدام؟ أم عند الانسياب؟ هل أنت صخرة أم الماء؟ هل تحددك الثقافة المحيطة بك؟ أم الثقافة التي ودعتها؟ أم أنت الذي تصنع حواف صخور شخصيتك؟ المهم ألا تنساب من نفسك… أن تظل ممسكا بزمامها… أن تحول المسلمات إلى عقائد مبنية على علم… أن تعرف أولا و قبل أي شئ حولك… نفسك.

أحمد عبد الحميد
باحث مصري بأوروبا البلد
لوفان – بلجيكا
مايو 2011
التدوينة رقم 6: من 30 يوم تدوينهنا

  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

عن المنح و الدراسة في أوروبا و أمريكا و المصاريف ... إلخ -...
عن المنح و الدراسة بشكل مبدئي، قابلة للتعديل....
الجدل السياسي في مصر عام 2112 م
في الأخير, سنخضع جميعا للحقيقة: أننا أغلبية مسلمة, و لا حاجة لنا أن يضيف البع...
ثغرة العبيد
ولكن سيده الجديد أيضا كسابقه "طاغية". و "الطاغية في صميم طبيعته يذل القوة حيث ي...
“مكان أفضل” لإسرائيل
الثلاثة أشخاص الوحيدون الغائبون عن هذه القصة بعد القادة العرب هي سونيا جراها...
المقامة الفنلندية…. عُمر بن الخطاب
و حدَّثنا عن الحرب... و عن الكرب. حدثنا عن العباد ... و عن البلاد. فحدثت نفسي... ما...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com