تدوينة 12: الكتلة الحرجة الخلاقة و استخدام تويتر وفيس بوك

ربما كنت ممن ينتظرون الوصول للكتلة الحرجة قبل الثورة حتي تحدث الثورة, و ربما أيضا تعرف الكتلة الحرجة للقادة لإحداث تغيير, و أنا أزعم الآن أن هناك كتلة حرجة خلاقة أخرى يجب الوصول إليها لإحداث نهضة كاملة في بلادنا. السطور التالية عن ذلك, يكون فيها الجزء الأول مقدمة: عن الكتلة الحرجة و تحليل سريع لأطر التأثير و التواصل في الثورة المصرية و منه نستنتج التغير الحادث في الأطر الحضارية المعاصرة و السابقة, و من ثم نعرج في الجزء الثاني: على ما أحب أن أتحدث فيه عن الكتلة الحرجة من الطبقة الخلاقة بعد تلخيص سريع لبحث أحد علماء الاقتصاد و الاجتماع للطبقة الخلاقة و صفاتها في أيامنا هذه و كيف تشارك هذه الطبقة في صنع المستقبل.

الكتلة الحرجة و الثورة

تعرف الكتلة الحرجة في الفيزياء النووية بالحد الأدنى من المادة المشعة لدوام سلسلة متعاقبة من الانشطارات(مصدر1). وهو نفس الأساس الفكري للحد الأدنى من “الغاضبون” أو الثوار الازم للإطاحة بنظام ما أو إحداث تغيير ما. تخيل أنك تعد لزلزال كبير… ما يحدث في الزلازل يحدث في الثورة أيضا. في أول الأمر تحدث الأسباب الجيولوجية و من ثم تتراكم على أعوام عديدة و فجأة تصل التفاعلات لذروتها… و “بوم” يحدث الإنفجار ما بين براكين و زلازل. و هكذا تماما كانت الرؤيا للكتلة الحرجة, التي قدرها البعض في مصر مثلا ب 100 ألف ثائر. بالطبع لا يوجد أرقام واضحة… كلها تكهنات. و لكن كيف يتم استثارة 100 ألف شخص للخروج على النظام في وقت واحد؟ وهل هذا عدد كافي لإحداث الثورة الكاملة؟ ولو خرجوا كم يلزمنا من القادة لتوجيههم؟

تتم الاستثارة عن طريق عدد محدود من القادة, تجد الأرقام المرشحة من عدد من المفكرين مثلا طارق السويدان يقول أن 1% ل 2% من القادة قادرين على إحداث التغيير(أي تغيير)… بينما آخرون كريتشارد فلوريدا و آخرون عرب يقولون أن النسبة المرادة هي 2-5% من إجمالي العاملين لتحريك شعب ما. فإذا تحرك العدد ووصل إلى الكتلة الأساسية فدورها كما تمت الإشارة إليه في كتاب حرب الاعنف الثبات أمام المتفرجين من الشعب. حتى إذا أغراهم ثباتهم انضموا إليهم… تماما كما حدث مع ال 30 ألفا الذين بقوا ليلة الأربعاء الدامي في ميدان التحرير و وصولا إلى تلك الكتلة الحرجة التي غيرت النظام السياسي كله.

إذا لإحداث تغيير يمثل نهضة شاملة وليس مجرد ثورة, نحتاج:


أولا: قادة: وهم من 1-5% نتحدث عنهم الآن بكونهم قادة تأثير بفكر أو عمل لتوجيه التيار الأساسي للدولة, هؤلاء القادة يربطهم أطر تأثير و تواصل مختلفة عن السائد سابقا نناقشها سريعا في هذا المقال.


ثانيا: كتلة حرجة: نتحدث عنهم في المقال التالي ولكن بوصفهم “طبقة خلاقة” لازمة لإحداث نهضة شاملة.

أطر التأثير و التواصل للقادة

من قبل جرى العرف في التغيير عموما و في كل الهيئات و الجماعات أن يكون شكل التأثير و التواصل هرميا –على الأقل في أوطاننا العربية. بمعنى, هناك رئيس للجماعة و قاعدة من النائبين يتبعهم قاعدة مشتركة من الأتباع بشكل أو بآخر, وما إن تقطع الرأس حتى ينفرط عقد الهرم كله.


على أن إفرازات شبكات الاتصال الاجتماعي و المدونات بشكل عام أثرت على هذا الشكل الهرمي لشكل مسطح. هيكل يتساوى فيه الأعضاء ولكن ربما يكون لأحدهم تأثير أكبر على الآخرين.


تلحظ ذلك جليا في شكل دائرة التأثير في مصر على تويتر مثلا (الشكل 1 أدناه)(نسخة ذات جودة عالية: هنا و GIF) (مصدر3). ترى في الشكل أدناه أن المؤثرين على دائرة المعلومات الدائرة في تويتر في مصر وقت الثورة هو بضعة مئات قليلة, غير أن ترابطهم و ذويهم ربما من متابعيهم كنشطاء أو قُرائهم –كمدونين- أو من متابعي نشاطات مؤسساتهم تتجاوز عشرات الآلاف إلى الملايين لو أخذنا في الاعتبار توصيل المعلومات لشبكة فيس بوك أيضا. وهو ما يعني أن التيار الأساسي (راجع: المصدر4) كان بالأصل موجها فعلا من عدد من النشطاء و الفاعلين لم يتعد ال 2% من إجمالي الثوار ومن يدعمهم حتى ولو لم ينزل البعض منهم إلى الشارع.


ومن باب التحليل السريع للشكل, تجد أن أكثر من النصف إلى الثلثين في مصر يتعامل باللغة الإنجليزية على تويتر. فالكرات الزرقاء تعني التعامل باللغة الإنجليزية و الحمراء تعني التعامل باللغة العربية. و على قدر التأثير و التواصل تكبر الدائرة أو تصغر بحسب صاحبها. ونلحظ أولا: عدد محدود من الدوائر الكبرى –تصنيف 1- تقريبا 30 دائرة كبرى لنشطاء معروفة كمصدر للمعلومات أو مؤثرة كوائل غنيم و وائل عباس ويلحق بها عدة عشرات في التصنيف الثاني و يتبعهم عدة مئات مؤثرة لنشطاء آخرون تغطي كلها بذلك كل ألوان الطيف لمستخدمي تويتر. و ثانيا: من ناحية أخرى, ربما يرجع التعامل باللغة الإنجليزية على تويتر إلى أن معظم المتعاملين به تعليمهم مختلف مثلا؟ مهندسين؟؟ قد يبدو تحليلا سليما لأول وهلة, ولكن مع إضافة الشكل 2 أدناه (اضغط عليه للتكبير) من نفس المصدر و الذي فيه: الخطوط الزرقاء تكون من نقاط لأولئك الذين لم يتأثروا بقطع الإنترنت على مصر. نرى أن الثلث فقط تأثروا بقطع الإنترنت وربما أيضا بسبب الاعتقال كما هو واضح قبل الثورة أعلى الرسمة إلى اليسار. على أن ثلثا آخر تمكن من الاتصال (ربما بسبب تعلمهم طريقة للوصول للإنترنت ولكن على فترات متباعدة كما هو واضح في الرسم) وهو ما يعني بالضرورة أن من النصف إلى ثلثي من كانوا يكتبون عن مصر على تويتر بالتأكيد بشكل أو بآخر كانوا خارج مصر أو لديهم أدوات اتصال مختلفة كمحطات البث الأجنبية و مراسليها مثلا و أحيانا لديهم العلم الازم لتجاوز الحجب. و تجد في الشكل الثاني حتى مع أولئك الذين لم يتأثروا كثيرا بانقطاع الانترنت إنخفاض حاد في المعلومات المتاحة لهم على شبكة تويتر…


الخلاصة إذا, أن التيار الأساسي الذي تم خلقه على تويتر من عدد محدود من الناشطين كان قادرا على توجيه الرأي العام بنشاطه إلى اتجاه ما (هنا هو الثورة) ولم يكن في حاجة إلى الشكل الهرمي المعتاد في الثورات الأخرى. والأهم والأكثر مدعاة إلى التأمل أن أولئك الذين يعيشون خارج حدود مصر أثروا بما يوازي تقريبا 30-50% من إجمالي دوائر التأثيرالمختلفة في المعلومات عن الثورة في وقتها في مصر.

و بحروف أخرى, فحتى أولئك الذين لم يكونوا في مصر وقت الثورة, فإن لهم أثر كبير في نقل المعلومات والتأثير على الأرض برغم وجودهم خارج البلاد.

وعليه فأنا أزعم وبشكل واضح:
أولا: أن لنشطاء الفيس بوك و تويتر أثر بعيد في تحديد التيار الأساسي في مصر و توجيه الرأي العام كله و ثانيا: أن لأولئك الذين يعيشون خارج مصر تأثيرا أكبر مما يتخيلو على المجتمع المصري نفسه برغم بعدهم عنه. ولذا لو كنت تحيا خارج مصر, فاعلم أنه بالإمكان فعل شئ يساهم في نهضة مصر و أنت في موقعك… ربما فقط هي مسألة تفكير في مشروع مختلف بما تتيحه وسائل الاتصالات الحالية.

الآن قد عرفنا: الكتلة الحرجة, الكتلة الأساسية للتغيير, نسب مئوية تقريبية للقادة, شكل و أطر التواصل في العصر الحالي وإختلافها كلية عن الأشكال المعهودة سابقا… نعرف مدى التأثير النسبي للكتل المختلفة في التيار الأساسي . بقي أن نقرأ من الواقع الطبقة الخلاقة في الحضارات المتقدمة حاليا ومنها نسقط على أسميه أنا “الكتلة الحرجة الخلاقة” لبلادنا….

يتبع…

أحمد عبد الحميد
باحث مصري بأوروبا البلد

مايو 2011
التدوينة 12 من 30من تدوين 30 يومهنا

ملحوظة: من أوروبا البلد تقع دائما في الجانب الأيمن إلى أسفل وسط التحليل. أي أنها أميل لاستخدام اللغة العربية دائما, و ثانيا أنها لم تتأثر بانقطاع الإنترنت, وأخيرا: حجما هي في التصنيف الثاني للدوائر المؤثرة في مصر.

  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

الشريحة... بداخلك!
ما هو السر وراء ألعاب آي فون و آي باد و ويي التفاعلية؟ ماذا لو أخبرتك أن هناك ح...
التدوينة 18: عقلي الجميل
كم مرة جلست في الامتحان تحاول عابثا أن تتذكر الجواب الصحيح الذي تصر على أنك ت...
لماذا تشتري هذه البضاعة؟
يخالجني شعور أنك... ربما... يجوز... قد... تخالفني الرأي. هو حقك, هذه ليست مشكلة. و ي...
ابن 28
لم يمنعها الفضول من أن تضغط عليه برغم آلامه التي لا يُلقي لها بالا أن تسأله أر...
صباحك حنون ومساؤك عاصف
صباحك حنون ومساؤك عاصف صباحك صباحك حنون......كيدك صباحك بهجة ... [/capti...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com