ت13: الطبقة الخلاقة


أطلب منك سعة في الصدر وأنت تقرأ السطور التالية. أطلب منك أيضا أن تضع الموروث الثقافي و الأصول الدينية جانبا مؤقتا لحين الانتهاء من هذه السطور. و كذا حاسة الاشمئزاز التي قد تصيبك –أحيانا- مما فيها. فقط تقبل ما في السطور على أنها حقائق علمية لنا أن نناقشها و نتعلم منها نتائجها لا أن نتبع طريقها بحاذافيره و إن جاز لنا الأخذ منها مادام صالحا لنا.

صعود الطبقة الخلاقة

في أوائل هذه الألفية قام البروفيسور ريتشارد فلوريدا(1) بعمل بحث عن الشكل الحالي للإقتصاد العالمي و عن تغير طبائع الناس في العالم المتقدم بشكل عام. وخلص الرجل في بحثه لما أسماه “صعود الطبقة الخلاقة وكيف تغير عالمنا”. خلاصة رأيه, أن العالم بادئ الأمر اعتمد على الزراعة في الاقتصاد و من ثم الصناعة , مرورا بأفكار الرأسمالية والاشتراكية… إلخ حتى وصل إلى اليوم و “الاقتصاد الخلاق“. إذ ما الذي يعطي الغرب الميزة النسبية فوق الصين مثلا؟ لماذا يتفوق الأمريكان و الغربيين على سكان شرق آسيا الذين بإمكانهم صنع أي شئ بهندسته عكسيا؟ يرجح الكاتب في نظريته إلى أن العالم الغربي يأتي دائما بالفكرة أولا. بمعنى آخر, قدرة العالم الغربي على خلق أفكار جديدة و إحتوائها حتى تنضج أكبر بكثير من كل الحضارات الأخرى في العالم حاليا. وعليه فقد قرر الرجل البحث في الأمر, و ركز بحثه على التوزيع الإحصائي للسكان ووظائفهم في الولايات المختلفة و على عدد براءات الاختراع المنتجة من كل ولاية في العام و أخيرا على الناتج الكلي لكل ولاية على حدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

نتائج و مفاجآت

كانت مفاجأته الأولى أن تطابق عدد براءات الاختراع مع ثراء الولايات كسبب وليس كنتيجة. أي أنه كلما زادت البراءات زاد كذلك الدخل الكلي للولاية و لما لم يخرج عن ذلك غير حالات قليلة, بحث في عادات وقيم هذا الولايات, ومنها خلص إلى صفات مشتركة في الناس أنفسهم… منها مثلا التحرر و عدم التقيد بساعات عمل محددة, الأريحية في ملابس العمل و جود العديد من البوهيميين (فنانين و رسامين و مغنيين… إلخ). و بالصدفة أثناء بحثه قابل طالبا للدكتوراه يعد بحثا إحصائيا آخر عن عدد الشواذ جنسيا في الولايات المختلفة بأمريكا. و كانت المفاجأة بالنسبة للرجلين بتوافق نتائج أبحاثهما كما تم نشرها في الكتاب (2). الاستنتاج البدائي المباشر أن تقول: سبب تقدم هذه الولايات هو وجود عدد أكبر من الشواذ, لأنهم أصحاب السبق الإبداعي! أليس كذلك؟! ولكنها ليست الحقيقة. اضطر الرجل لأن يبحث أكثر في الأمر ليجد الترابط ما بين الشواذ و تقدم الولايات و عدد براءات الاختراع المتفاقم من تلك الولايات فتوصل لنتيجة مختلفة عما سبق, ألا وهي: أن وجود الشواذ في تلك المدن كان نتيجة لا سببا, حيث يزيد تقبل الناس للأفكار الجديدة المستغربة المختلفة مع الواقع, يصبح الناس أكثر تقبلا لكل شئ… حتى أن الشوذ يجدوا تلك البيئة –على عدم تقبل الكثير لهم- بيئة جيدة و آمنة لهم للعيش فيها. لأن الناس أصلا لديهم قابلية للإختلاف. مزيد من البحث و أصبح لديه خطوط أكثر تواصلا تربط ما توفره المدينة من خدمات لسكانها و بين تطورها و مثل ذلك عدد المناظرات, اللقاءات, الحفلات الغنائية, المهرجانات… إلخ, فكتب كتابا آخر “ما هي مدينتك” يزعم فيه أن لكل شخص بحسب صفاته “الخلاقة” مدينة تناسبه(3).

تعداد الطبقة الخلاقة

و خلاصة بحث ريتشارد فلوريدا, أنه قسم الناس إلى عدة شرائح منها شريحة الخدمات أو من يعملون في أعمال الإبداع فيها يساوي صفر و شرائح أخرى أهمها الشريحة “الخلاقة” وهي الشريحة المسؤولة بشكل رئيسي عن تقديم حلول مختلفة للمشاكل اليومية في الحضارة منهم مثلا: المهندسين, الأطباء, الصناع,… وأضاف عليهم كل البوهيمين(الفنانين و الرسامين…إلخ) لأنهم يبتكرون في أعمالهم وكلما زاد نتاج أعمالهم “المختلفة و المستغربة” يعني ذلك أنهم أيضا من الطبقة الخلاقة. و خلاصة تعداد هذه الطبقة في الولايات المختلفة المتقدمة ما بين 20% كحد أدنى إلى 40% من الناس كحد أقصى. وعليه لو جاز لنا أن نستنتج الكتلة الحرجة(4) للنهضة في دولة ما فإننا بحاجة ل “20%” من سكان الدولة من الطبقة الخلاقة, وعلى أكتافهم يعول تغيير حالة الركود بشكل عام. ومن مقالنا السابق “الكتلة الحرجة الخلاقة” (4) نعرف أننا في حاجة ل ~2% تقريبا من القادة ليدفعوا هذه العملية على الأرض في شتى المجالات.

نظرية الثلاثة ت

بقي طرح أخير لنفس الكاتب يسميه The Three “T” Principle نظرية الثلاثة ت للطبقة الخلاقة Creative Class في النظام الاقتصادي الخلاق Creative Economy :Talent , Tolerance, Technology. أي أن الإبداع و التسامح و التكنولوجيا هي الثلاث أعمدة التي يقوم عليها الاقصاد الخلاق الحالي. أما الإبداع فيقيسه بعدد براءات الاختراع بشكل عام, و أما التكنولوجيا فيقيسها بما تأخذ من الإبداع لتطور نفسها و العلم الذي لديها باستمرار, أي أن رعاية هذا المكتسبات الابداعية و دمجها في التكنولوجيا بالنسبة إليه عملية أساسية ومعها تفاصيل أخرى لحياة ذكية. و أخيرا “التسامح” وقبول الاختلاف وهو ما يدلل عليه قبول الناس للمختلفين عنهم من ولايات أخرى, بلدان أخرى, أديان أخرى… أو حتى ملابس أخرى لا تمت لثقافتهم بصلة. أي أن الاختلاف عنصر أساسي من عناصر بناء الاقتصاد الخلاق.

صورة1: توزيع الطبقة الخلاقة في الولايات المتحدة عام 2005


صورة 2: توقع لما يمكن أي كون عليه التوزيع في 2018 في الولايات المتحدة


إستنتاجات و إسقاط سريع

  • لدينا 40% أمية في مصر و أولئك المتعلمين لن يتعدى نسبة الذين يجيدون لغة العلم الإنجليزية منهم بحيث يضيفون عليها لا يتعدى ال 5% , و عليه يجب علينا التركيز على اللغة العربية في العلم والمعلومات العامة و الفكر أملا في الوصول لشريحة أكبر من المنتفعين ولخلق شريحة خلاقة مبدعة كافية للنهضة. نرشح هنا دعم مشروع نقطة لترجمة العلوم (5), ومشروع كتابنا لتلخيص وتقديم الكتب في شكل مرئي(6).
  • يظن البعض أن المطلوب مهندسين و أطباء, وهو ظن خاطئ إذ أن الحضارة تقوم بالتساوي على أكتاف كل المبدعين… من علماء الزراعة و الري و الإنتاج… إلى الفنانين والتجار الأذكياء الذين لديهم قواعد المعلومات المتقدمة بلغاتهم التي تمكنهم من الشراء بشكل مبدع وفطن. خذ مثلا شراء دولة قطر شاشات عملاقة تعلق على المباني لكأس العالم 2022, لو عرف المشتري أنه في خلال خمسة أعوام ستظهر شاشات مرنة تغطي المباني بسعر زهيد, تصلح لأجسام السيارات و الكراسي و البنايات لما أنفق كل ذلك المال اليوم… ربما هو إذا عيب الطبقة الخلاقة الذين لم يوصلوا إليه المعلومة و بالعربية حتى يضمنوا اختيارا أكثر إبداعا من كل الطوائف.
  • لدينا مرض ضارب في نفوس الكثيرين اسمه: الصرامة العقلية أو التفكير القطعي التسلطي… وفيه يكون المرء إما أبيض أو أسود, معنا أو مع العدو, مؤمن أو كافر… يكون هو الصواب وما عداه خطأ و يكون فعله الثقافي هو الأسمى وما دونه مستنكر ومحتقر. و ينسى كل الألوان التي في المنتصف و يستنكر كل اختلاف. فأفضل قوم هم قوم مدينته و أحسن طريق هداية هو طريق شيخه أو أستاذه… إلخ. وله من كل شئ أمر واحد لاغير من بين اختيارين في عقله. وعليه يكون عنده مقياس التسامح صفر. لذا فأفضل طريق هو فتح أعين الناس على ما حولهم من اختلافات –حتى وإن لم يقبلوها بادئ الأمر- ربما بدفعهم للقراءة من مصادر مختلفة أو مشاهدة برامج تلفزيونية مختلفة أو بالتنوع في الأصدقاء… بالسفر للخروج من حالة “الإنغلاق” المعتادة (7).
  • الإبداع يولد من التحدي, و التحدي يشارك فيه المجتمع… يجب فرض أسئلة مختلفة على أصحاب الرأي من علماء الدين و العلم الدنيوي. من الذي سيقوم بالأسئلة إن لم تكن هي الطبقة الخلاقة أو بذورها؟ أنت الذي تحدد كفة الجدل المثار أمام الناس…. وأخيرا أطر المحافظة على الأفكار و تكامل الإبداع, هناك أفكار عدة نخوض فيها لاحقا.

حتى نصل…

لكي نصل الآن إلى تلك الكتلة الحرجة الخلاقة على كل منا مسؤلية توصيل ما لديه من علم لأكبر عدد ممكن ممن هم حوله, حتى ولو كان علما متخصصا… أقصد أن استاذا في علم الجينات مثلا عليه أن يطرح و بالعربية المبادئ الأساسية لهذا العلم على عامة الناس, و يطرح أسئلة جدلية مثل: تعديل الجينات في الزراعة, أو في الإنسان, أو تخليق خلايا حية من مواد كيماوية, حتى ينخرط علماء الدين في مشاكل أكثر تعقيدا و أيضا ملامسة للواقع من شكليات الدين إلى ما يدخل في قلب النهضة الدنيوية, ومعه ينخرط الناس عموما في أفكار أكثر تعقيدا و حداثة وواقعية.

لم أفهم أبدا كيف يتابع أحدهم شعبان عبد الرحيم وهو مغني اللحن الواحد, ولا قصص الأفلام المعادة بألوان مختلفة, ولا حتى سؤال الشيوخ في نفس المسائل الجدلية طول الوقت مع وجود مشاكل أكثر حداثة وخطورة في واقعنا. الإبداع حالة مستمرة و الكل يشارك فيها… علماء و شيوخ و عامة و أصحاب الفنون… و الحرية تأتي معها المسؤلية لا الشكوى ولا التنطع و انتظار الفرج من عند ربنا…

دمتم.

أحمد عبد الحميد
باحث مصري بأوروبا البلد
لوفان-بلجيكا
مايو 2011
هذه هي التدوينة 13 من 30 يوم تدوين: هنا

مصادر و مراجع:
1. ريتشارد فلوريدا, ويكي: هنا موقع عام: هنا
2. صعود الطبقة الخلاقة, كتاب: هنا
3. ما هي مدينتك, كتاب: هنا
4. الكتلة الحرجة الخلاقة و استخدام فيس بوك و تويتر, مقال: هنا
5. شبكة نقطة, مشروع ترجمة للعلوم للعربية في شكل مقالات: هنا
6. كتابنا, مشروع عمل مادة مرئية من كتب فكرية وثقافية: هنا
7. الانغلاق و روكيش: اصدر
روكيش عام 1960 كتابا بعنوان (العقل المنفتح والعقل المنغلق) معلنا ميلاد نظرية نفسية جديدة آن ذاك ويتبع مناقشة مطولة لاحقا لذلك, إن شاء الله.
8. الطبقة الخلاقة, مقال مفصل على ويكي: هنا


  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

الأكل اللي في التلاجة خلص
بعد اسبوعين من سفرهما (زوجتي وابنتي), حضرت حفلا صغيرا أقامه جيراننا و أصدقاؤن...
ثقافة الفاتح التركية و دلني على السوق العربية
تلاحظ في الخطاب العربي أنه عام كمسودة نوايا حسنة, مغرق في الماضي وكأنه حبيسه, ...
21: في بيتنا كنجارو
تعلم الكنجارو الآن نغمة جديدة, ما بين البكاء و صوت الفرح و اللعب... يوقظنا كل ي...
تدوينة 10: الإرهابي
- "إننا نقوم بالقتل و الخنق, حتى إن صرخات اليائسين و الموتى باتت تختلط بثغاء ال...
المقامة المصرية… أبو شَرطة
حدثنا أبو مالك أحمد بن عبد الحميد قال: لما خرجت من الإسكندرية مع من خرج, وعدت ط...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com