الجدل السياسي في مصر عام 2112 م

في المؤتمر الذي حضرته في هولندا عن الديمقراطية عام 2020, ثار جدل واسع بين ثلاثة من المحاضرين الأربعة (كنت رابعهم) عن موقف الجبهة الليبرالية من حقوق المثليين في الزواج و الإرث و حقوق المهاجرين الغير شرعيين ..إلخ و خلاف هذه الجبهة و موقف الحزب الديمقراطي المسيحي في هولندا. هولندا التي استقر فيها النظام السياسي لأكثير من 150 عام, بعد مائة عام تقريبا من حكم الحزب الديمقراطي المسيحي مُني الحزب بنكسة خسارة أصوات الأغلبية بعد مواقفه من هذه المشاكل(خصوصا أحد مشاكل المهاجرين). هولندا الدولة الأكثر تحررا في أوروبا, حتى أن الخارج من هولندا لبقية دول الاتحاد الأوروبي يكاد يتم تفتيشه لضمان عدم حيازته لكميات غير قانونية من المخدرات (حيث يسمع بها قانونا في هولندا بكميات أكبر من غيرها في دول الاتحاد الأوروبي!)

كنت أستمع إلى الجدل بين الشباب الهولندي في صمت كبير, صراحة أصبحت أنظر إلى مصر بعد مائة عام… 2112م, لم أكتبها خطئا, أقصد فعلا مائة عام من اليوم… ومصر مقسمة إلى أيضا تيار ديني (مقسم لطوائف) و آخرون ليبرالي وعلماني و قومي أو وطني و اشتراكي… إلخ. و تذكرت كيف أن بوش كان يصر دائما على ذكر أنه:
Dedicated Christian مسيحي ملتزم, وكذا جرى الحال في الترويج له قبل الرئاسة و كذا أوباما الذي يحرص على صلوات الأحد بشكل مستمر و علني, و كذا المرشح للرئاسة الأمريكية رون بول الذي منعته القوانين من ذكر صلواته وانتماؤه الديني في العلن فكتبها في مطلع تعريفه بنفسه على موقع حملته الانتخابية: أنه ملتزم دينيا. و تذكرت أنجيلا ميركل الألمانية و التي هي أيضا مرشحة من “التحالف المسيحي الديمقراطي”…

و فجأة قاطعتني المضيفة بعد أن اشتد الحوار بين الشباب بين ليبرالية هولندا و موقف الحزب المسيحي الحاكم وقالت: أظن أحمد ليس لديك شيء تضيفه في هذا الشأن الهولندي الداخلي… عذرا على الخوض فيه.
فقلت: بالعكس, كنت أفكر فيما تقولون! و نظرت للجمع و قلت: لماذا تنافقون أنفسكم؟!

مر خمسة دقائق وأنتم تجادلون موقف الليبراليين و الحزب الديمقراطي المسيحي من مسائل المثليين إلخ… وأسألكم أليست الديمقراطية في تعريفها الأصلي: حكم الأغلبية؟ أليست الأغلبية مسيحية؟ و أنتم تقرون بذلك و تختارون ربما الحزب المسيحي لذلك السبب؟ لماذا كل هذا العناء في إنكار هويتكم الأساسية؟ أنتم مسيحيون… عليكم أن تقبلوا ذلك. لا أقول عليكم أن تقيموا ثيوقراطية… ولكن هو جزء من ثقافتكم و هويتكم… لماذا تنكروه و مع ذلك تقروه ثانية بالأغلبية؟ إذا كان ما تروه من تدخل الكنيسة في شؤونكم السياسية أمرا معيبا فلماذا تضعون كلمة “مسيحي” مع الحزب الحاكم؟ لا تنافقوا أنفسكم … أو افصلوا دينكم عن سياستكم.

ضحك الجميع… و جاري على الطاولة يضع يده على كتفي و يقول: كم أتمنى أن يحدث ذلك!

أترى
ما نحن فيه من نقاش, من هم أمامنا بمائة عام من الاختيارات لا يزالون فيه.
أترى
من الحماقة أن تطلب من شخص أن يخالف عقيدته و ينتخب شخصا مغايرا له… هي ألف باء هوية, حتى ولو بعد مائة عام!
أترى
هناك كتلة دينية واحدة.. بغير ذلك تنقسم الدول, و تقوم الحروب العالمية بين الدول وبعضها ولا أقول بين الطوائف وحدها. (راجع كتابات المستشار طارق البشري(

في الأخير,
سنخضع جميعا للحقيقة: أننا أغلبية مسلمة, و لا حاجة لنا أن يضيف البعض كلمة تضيف معنى أنه مسلم, أو تعرف الطائفة التي ينتمي إليها… لأن في ذلك منتهى تفسخ المجتمع. أحب في حزب الوسط نزعه لكلمة الإسلام من تعريف الحزب. لا يصدق عاقل أن يحكم الأغلبية إلا شخص منهم… هكذا سنن الديمقراطية في كل الدول. ولكن حذار التقسيم الطائفي… حذار التقسيم الطائفي… حذار التقسيم الطائفي.

أحمد عبد الحميد

ديسمبر 2011

Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

المقامة الكينية... هلوسات وكوابيس أسد
لا أظنك تنتظر مني في هذا المقام أن أحكي لك عن هواء كينيا العليل, ولا طبيعتها ا...
تدوينة 3: افطار – جحر – اندماج
الأحد, لا أحد يعمل اليوم, كل المحال مغلقة, هو يوم عبادة وقليل هم من يذهبون إلى ...
تدوينة 1: الجمعة — أزمة
كان استاذنا في الجامعة يقول: "لو لقيت نفسك مش لاقي وقت تعمل حاجة نفسك تعملها و...
المقامة الطائرة... سقوط
لا تعرف بأي لغة يتحدثون ... ولا تُعنى بحديثهم... لا تعرف مصدراً لاضطراب قلبك... ...
صباحك حنون ومساؤك عاصف
صباحك حنون ومساؤك عاصف صباحك صباحك حنون......كيدك صباحك بهجة ... [/capti...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com