الأكل اللي في التلاجة خلص

بعد اسبوعين من سفرهما (زوجتي وابنتي), حضرت حفلا صغيرا أقامه جيراننا و أصدقاؤنا و سألتني جارتنا: طبعا مفتقد “فلانة و فلانة”… و البيت فاضي عليك

أجبت بثقة: الأكل اللي في التلاجة لسه ما خلصش.

تعجبت الجارة, و قالت غريب… كنا نظن أن ما بينكما أكبر من الأكل… وسكتت, وسكت بابتسامة و ربما فاصل من الأحاديث الأخرى.

المشكلة أني كنت فعلا صادقا. حينما رحلت المشكلة الصغيرة و أمها و أوصلتهما للمطار, لم أكن أظن يوما أني أدمع لفراق هذ المعجزة الصغيرة… كنت قد تجاوزت مشاعر الفراق هذه منذ سنين طويلة, كثرة السفر, كثرة فراق الأحبة, كثرة الترحال, طول البعد… كلها أمور تميت أرق القلوب. ولكن ما شأن الثلاجة بذلك؟

يوم سفري الأول, عدد السيارات التي تبعت موكب رحيلي من مصر ومن حوته كانت أكثر بكثير من موكب زواجي, ربما لأني وقتها أيضا صرت أقنع بقلة الضوضاء. أحب الوصول في سكينة الفجأة بغير علم الوالد ولا الأم حتى لا أزعجهما بحضور مثلي. موكب الرحيل ربما كان زخما بما كان لي من أقارب أو أصدقاء عزاب أو طلبة متفرغون وهم كثير وقتها… المهم, لم تصبح المغادرة و لا الوصول ذات معنى لي. هي لحظات رؤية النور الأصفر في مصر و الأتربة و رائحة الجو المختنق… أو جو أوروبا البارد بشوارعه الفارغة… كلها مشاعر جافة في ذاتها, حتى في أجمل الأماكن و أكثرها ازدحاما… يبقى الغريب غريبا, و يبقى شعور المسافر هو الأصل.

كنت استيقظ في أيام كثيرة في القطار ما بين ألمانيا و سويسرا و لا أعرف أين أنا ولا أين أنا ذاهب… حتى أطمئن نفسي: أنت في طريقك للمنزل. ثم أمكث مهلة أطول لأترجم لنفسي: أي منزل؟ سكني في أي بلد… و أين أصبح هذا المنزل؟ مع كثرة السفر تصبح كلمة المنزل كلمة لا معنى لها… لأنك لا تصل أبدا مهما سافرت. تشعر أحيانا بأنك تود الزحف إلى محمد -صلى الله عليه و سلم- لو كان حيا. ولكنه ميت, و الموت حق… و الوصول إليه كأي وصول مستحيل. اليوم على الأقل. وكأن لوحة الغربة هذه جزء من نفسك… لا ينفصل.

الأكل اللي في التلاجة خلص, و مشكلة ذلك, أن مع كل وجبة تركتها هي منذ شهرين تركت معها رسالة صغيرة كنت أطمئن قلبي بها. رسائل لم تتعد بضعة كلمات في مجملها ولكنها تترك أثرا عميقا في نفسك كرجل. اليوم لا أجد الرسائل فلا أطمئن. أصبحت أشتاق إليها و أشتاق للمزعجة التي صار لها قدمين تسير بهما ولم أرها بعد…

ترى… كل الأمور لها وجيهن. فقط أيهما ترى!

أتعرف, أصدق اليوم: البنات قد تلهو بعقلك… ولكن وحدها المرأة تستكشف ما في أغوارك. و ربما لذلك تسمى السكن. المنزل.



أحمد عبد الحميد
لوفان – بلجيكا
ديسمبر 2011


  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

عن المنح و الدراسة في أوروبا و أمريكا و المصاريف ... إلخ -...
عن المنح و الدراسة بشكل مبدئي، قابلة للتعديل....
من مصر البلد 1
... فإذا بأحدهم يسأل عن الصهيونية و علاقتها باليهودية, فيفتي أحدهم بأن الصهيو...
ت17: الفرق بين الباربي-كيو الأوروبي و العربي!
بينما السؤال نفسه عند الأوربيين تكون الإجابة عليه "أعددنا له الطعام". أترى ال...
تدوينة: أحلام زبالة -عفواً- تستحق المشاركة
اصطدمت بفيلم “أحلام الزبالين” ووجدت أن الفرصة سانحة لمشاركة أيضا بعض النصا...
بيعت مصر بزيتونة
قدر الله و جلسنا مع جماعة فيها أخ من مصر و طفليه و أخ جزائري عزيز و آخرون من بق...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com