المقامة الكينية… هلوسات وكوابيس أسد


قالت: إذن تعاني الهلوسة؟

قلت: نعم؟

قالت: هل بدأت الكوابيس أم ليس بعد؟

قلت: عما تتحدثين؟

قالت: هي أعراض الدواء… هل تشعر بالحمى؟ ألم تبدأ في أخذ دواء الملاريا؟!

أجبت لا. و لأني تأخرت في أخذ الدواء فقد حضر بعدها أستاذ في الطب و جلس معي في المستشفى لأكثر من 40 دقيقة و معه ملزمة من 30 ورقة يشرح فيها كل أنواع البكتريا و التطعيمات التي أنا مقبل عليها و على رأسها فيروسات الكبد الوبائي أ و ب و ج, و الصفراء و الكوليرا… إلخ. وراجع التحليلات التي أجريتها وفي الأخير نصح بدواء آخر للملاريا أعراضه الجانبية أقل, هكذا قال. بعدها بإسبوعين سأعود للمنزل من عاصمة الملاريا في العالم و ستخبرني زوجتي أني أمنعها النوم لساعتين لأني “أهلوس” وكأن أسدا يركض خلفي!

و الحق أولا أنهم أخبروني بأشياء ممثالة لما أخبرتهم أني ذاهب لمصر في رحلة وصرت أضحك في نفسي, و الحق أيضا أني كل يوم أحلم أجمل أحلام بسعة الأفق وألوان الحشائش السهلة ورائحة الهواء الذي شممته هناك. وكأن الدنيا رحبة في كل صباح منذ عدت من كينيا إلى أوروبا, أنا قبل و بعد السفر تماما كما الفرق بين الكاميرا العادية و الكاميرا ال Wide Frame… أنا أرى مساحة أكبر من العالم الرحب.

مطار ماساي مارا


الاستعداد للسفر

حتى لحظة السفر لنيروبي لم يكن الأمر واضحا في رأسي, لماذا نذهب لنيروبي-كينيا للقاء طلبة و أعضاء هيئة تدريس و إدارة جامعة مقديشيو-الصومال؟! على كل حال كلها مجاهل أفريقيا. منذ الحظة الأولى التي سألت صديقي الحميم جوجل عن نيروبي وهو يخبرني أن اسمها الحقيقي ليس : Nairobi و إنما Nai-robbery أي مدينة السرقات. و جوجل يقول أنها عاصمة الملاريا هي و السفاري المحيطة. فاطمة المنظمة للدورة التي سنلقيها بنيروبي-كينيا, قالت أيضا أننا سنذهب للسفاري في الماساي مارا و جوجل يقول أنهم أكلة لحوم بشر و يعيشون على الحدود مع تنزانيا بعد خط الاستواء جنوبا, و أن صحفية قتلت هناك في البراري منذ بضعة أعوام, و أن أهل الماساي من أطول أهل الأرض. حتى ليلة السفر, وإذ بي أشاهد خبر تفجير لفندق في مقديشيو… حتى وأنا في الطائرة أشاهد فيلم Contagion أي “مرض وبائي”. حسنا, كتبت وصيتي فعلا قبل الرحلة !

وحزمت حقائبي و أنا أذكر كل حرف مما كتبته فاطمة صديقتنا الجميلة التي نظمت لنا رحلتنا:

“إن كنت من سكان مقديشو، ستتعلم -- شئت أم أبيت -- فنّ المراوغة، والسخرية اللاذعة من الموت..والدوس على الألم..وكيف تعطي أجوبة هلامية لأسئلة محددة وأنت تعلم أنك تتغابى وتتعامى..ستتعلم قائمة من الشتائم الإيطالية..وكيف تضحك ملء شدقيك من نكسات “الساسة” و”الزعماء”..وكيف تفرق بين أنواع الأسلحة المختلفة من خلال الصوت فقط..وكيف تتقن رياضة الجري والقفز والزحف على البطون..وكيف تدمن الاستماع إلى القسم الصومالي لإذاعة البي بي سي كل مساء كي “تطمئن” على علاقات الصومال بالعالم الخارجي..وقبل ذالك، كيف تدمن سماع الإذاعات المحلية كل صباح كي تطلّع على الطرق “الصالحة” للمغامرة..وكيف تضبط وتجمع أعمالك ومواعيدك في فترة النهار فقط! ستتعلم كيف تحتفظ بمخزون من اللعنات لكل فصيل/جماعة/جبهة/قبيلة لاستخدامها وقت “الحاجة”..ستكون عدة أشخاص في شخص واحد يفكر بالنجاة أولا..وستهزأ من قلق أقربائك وأصحابك الذين يتصلون بك من خارج الحدود..ليطمأنوا على سلامتك عقب كل خبر عاجل سئ يأتيهم من مقديشو..لأنك -- ومن تحبهم أكثر من غيرهم- لا تزال على قيد الحياة! ولأنك -- أيضا -- اعتدت الأخبار العاجلة السيئة!

ستتعلم كيف تتقن صلوات الأمل في أخطر الظروف..فلا بد أن “المعجزة” في طريقها إليك..
ستتعلم كيف تتقن الدعاء كل صباح..وتمضي وأنت نصف شارد إلى مشوارك..وكيف تتقن الدعاء كل مساء..وتنام مبكرا لتحلم بشروق الشمس..”

بعد رحلة تجاوزت السبعة آلاف كيلومتر صاحبني فيها السيد قطب و كتابه معالم على الطريق و مالك بن نبي و كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي و كتاب إختراع الدولة اليهودية لأستاذ يهودي وصلت لنيروبي, بعد استراحة طويلة في اسطنبول-تركيا و بعد أن تأخرت كل الطائرات, وبدأت الرحلة في اليوم التالي وقد أنيهت فعلا كتابنين منهم.


الأهم فالمهم

لا أظنك تنتظر مني في هذا المقام أن أحكي لك عن هواء كينيا العليل, ولا طبيعتها البكر, ولا وجوه أهلها الصافية برغم سمرتها. لا أظن أيضا أنك تتوقع مني أن أقول لك أن مناخها أفضل من مصر و أنها ليست بالحارة و أن سمار أهلها ليس متعلقا بدرجة الحرارة الأكثر اعتدالا من درجات الحرار في شمال أفريقيا, وكل ما سبق حقيقي جدا. لا أظن أيضا أنك تنتظر مني في هذا المقام “دليل السائح العربي” ولو كنت تنتظر ذلك, ولا أظنك أيضا تنتظر مني أن أخبرك أن عدد المدخنين اللذين رأيتهم في أسبوع في كينيا لم يتجاوز الخمسة مدخنين. ربما ندردش فيه في المقال السياحي القادم, الآن أنا أريد أن أقص عليك شيئا أخطر و أهم… في نظري.


بقايا الاستعمار… أم استعمار جديد؟

منذ اللحظة الأولى في كينيا تعرف أنها كانت مستعمرة إنجليزية, السيارات كلها ذات مقود على اليمين بعكس كل بلاد الدنيا تماما كما في إنجلترا. بعد مدة ليست بالطويلة قابلنا مصادفة حافلة بريطانية عسكرية في الطريق في شوارع نيروبي, فإذا بالصحبة يخبرونا بوجود جالية فيها أكثر من 500 ألف بريطاني, من بينهم 100 ألف عسكري يساعدون الجيش الكيني في حماية الحدود من شباب المجاهدين في الصومال من ناحية و يراعون المصالح البريطانية من جهة أخرى. في الوقت الذي يتم تدريب العسكر و المخابرات في إسرائيل.


انطباعات أولية

ربما لم نرى أبدا في كل شوارع نيروبي أي قمامة, ولكن على مدخل كل مطعم و كل فندق دخلناه كان هناك رجل أمن يبحث عن مفرقعات معك. ربما يتحفظ كل سائق سيارة بسلاح للدفاع عن نفسه ولو عصاة. واضح جدا في الشوارع شريحة غنية جدا من الكينيين, و الباقي من الشعب من الطبقة المتوسطة… وأحيانا ترى معدمين أشد من كل الفقراء و البؤساء الذين رأيتهم في كل أرجاء الكون. في المحال التجارية ترى كل ماهو غربي بالدرجة الأولى ماركات فيرزاتشي و دي آند جي و الآي فون و آي باد … إلخ وكأنك في الولايات المتحدة. المهم هي ثلاثة أيام الأولى التي لم أكن أشعر فيها بالأمان حتى زال ذلك, و شرعت في نسيان كل ما قاله الطبيب و أطلقت لنفسي العنان مستمتعا بملذات أفريقيا!

صور الرئيس الكيني موزعة على العملات المعدنية, على رأس الفندق و في كل شيء من حولك. كلها أمور تنطق بالاستبداد في الدولة وربما بضعف شخص الرئيس نفسه.


أحلام صعبة

لم أكن أتوقع مستوى تعليم كهذا. الشباب الصومالي اللذين قابلناهم كانوا جد متعلمين وواعين. بالطبع لم يخلو الأمر من طلبة عاديين, ولكن في المجمل ترى في عيونهم جميعا أحلام لم تكتمل. أحلام في مجملها بسيطة… من جد بساطتها كنت أجد عناءا كبيرا في فهمها. خذ مثلا في نهاية الدورة التي أعطيناها لهم, كان يتعين على كل مجموعة عمل مشروع فيديو يعالج مشكلة في المجتمع الصومالي. خرجت جماعة منهم بمشروع “إنارة الشوارع” لأن الشوارع المظلمة أقل أمانا. بذلت مجهودا مضنيا و أنا أتابع على الطريق من لحظتها مع وائل عادل الشوارع المظلمة و كيف يسير فيها صاحبنا محمد الذي صحبنا طوال الطريق و الذي يعمل مديرا لمكتب تواصل جامعة مقديشيو-الصومال بنيروبي-كينيا.

احتلال اقتصادي و أكثر…

لم يمض وقت طويل حتى مررنا على أول “كبري علوي” في كينيا وهو “صيني الصنع”, لم يكن صعبا جدا أن تخمن الحرب الاقتصادية داخل الدولة. سألت صاحبنا محمد طاهر وهو صومالي كيني و يعمل صحفيا في عدة جرائد محلية و أمريكية عن الحال الاقتصادي فكانت مفاجئات عدة. بريطانيا تقريبا تسيطر على أغلب الشركات الكبرى بالتعاون مع أمريكا, فهناك الشركة البريطانية الأمريكية للتبغ, الشركة البريطانية الأمريكية للشاي و المثل في القهوة و الزهور التي تشتهر بها كينيا… إلخ. ليس كل شيء بعد!

الأمريكان (إسرائيل) تشتري مساحات واسعة من الأرض الآن في الصومال بحسب أصدقائنا الصوماليين. و الشباب جد قلق. الصومال التي يسيطر عليها الآن على أرض الواقع شباب المجاهدين (القاعدة) بينما هناك نظام سياسي هش من رئيس تقريبا معين من أمريكا و أصدقائها و بعض تحالفات القبائل مع الإخوان المسلمين. الإخوان المسلمون مع القبائل في الصومال يحاولون بشتى الوسائل لم شمل الدولة و تكوينها في الوقت الذي يواجهون فيه عصابات مسلحة من شباب المجاهدين تخطف أولادهم في عمر 10 ل 15 عام ليكونوا ضمن جيش المجاهدين هناك في الصومال. أحد النوادر التي يحكيها الشباب عن أب حضر له شباب القاعدة لأخذ أحد ولديه, و إذ بهم يقنعونه أن الولد إن مات فإنه سيشفع ل 70 من أهله… فإذا بالأب يخبرهم ببساطة: لا نحتاج ذلك, نحن أسرة من 4 أشخاص فقط!!


لماذا الصومال مفككة؟

لست في حاجة لدكتوراه في العلوم السياسية لتفهم ما الذي يحدث في القرن الأفريقي. أمريكا لا تستطيع أن تواجه كل جموع هؤلاء الإرهابيين التي خلقتهم بيديها. أمريكا تعلم حتما أنها ستخسر. بحسب مايكل شوير وقد كان رئيسا للمكتب المسؤول عن أسامة بن لادن في المخابرات المركزية الأمريكية في كتابه “السير نحو الجحيم” يقول أن معضلة أمريكا اليوم أنه لو أصابها عمل إرهابي جديد داخل أمريكا فلن تستطيع الرد. ببساطة لأنها فعلا تحتل أفغانستان و العراق, و ستكون المرة الأولى في التاريخ التي يتم صفع القوة العظمى في العالم ولا تستطيع الرد.

أمريكا أيضا تعرف ما الذي حدث في حرب العصابات للملكة البريطانية في حربها مع الفلاحين في جنوب أفريقيا, وخسرت على إثرها بريطانيا مملكتها هناك. حرب الغوريلا… أو الضرب و الهروب كما كان في حرب فيتنام هو أمر لا تتحمله أمريكا. لذا الأفضل خلق “عش النمل” دائما. كان العش في أفغانستان و اليوم العش الذي يتجمع فيه كل من لهم أفكار متطرفة في الصومال. و حدودها مفتوحة “على البحري”.

بحث قليل وتعرف أن بجانب مطار مقديشيو مساحات واسعة مغلقة من مكاتب و مباني مرتفعة لصالح المخابرات المركزية الأمريكية CIA و بحسب الشباب فإن كل ملذات التعذيب هناك. الصومال إذن على تلك الشاكلة لأن أمريكا تريدها كذلك… بلد هش وغير مستقر… عش للنمل و دولة في طريقها للتقسيم أيضا.


تقسيم عش النمل

سمعنا عن مجاهدين من الجزائر حضروا لتحرير الصومال. والشباب يقولون من من؟؟ القوات الأمريكية طبعا تسيطر على السواحل سواء في كينيا أو الصومال. وهو نفس الفكر الاستعماري البريطاني القديم, و السبب هذه الأيام و سبب زيادة الاهتمام هو المخاوف من غلق مضيق هرمز مع تزايد احتمالات الحرب مع إيران. في القديم كانت بريطانيا تستعمر السواحل من أجل التجارة و اليوم تستعمرها أمريكا من أجل البترول. ربما أمريكا تتحايل قليلا بجعل الفرنسيين يتحكمون في السواحل بالنيابة عنهم!

تقسيم الصومال أيضا لم يبدأ في يوم وليلة, فجيبوتي المقتطعة بعد الصومال بعد احتلال الطلاينة و الإنجليز و الفرنسيين أيضا حاربت الصومال في وقت من الأوقات. أثيوبيا أيضا بعد تهديد أحمق من شباب المجاهدين بأنهم سيصلون العيد في أديس أبابا في عام 2006 و استمر الاحتلال لعامين. لذا يبدوا الأمر مبررا بوجود 3 قواعد بريطانية في كينيا… هي المصالح الاقتصادية.

حرب خفية

الصين لا تشاهد مكتوفة الأيدي, خصوصا وهناك أعمال تجارية إسرائيلية في كينيا. أكبر الأسواق التجارية “مول” كان إسرائيليا, وقد بني على الطراز الخليجي من حيث الفخامة و الضخامة و البذخ المادي. أول قناة تصل لكينا كانت CCTV الصينية وليست الجزيرة سواحيلي. وكنا قد سمعنا بفكرة إنشاء قناة باللغة السواحيلية من شعب قناة الجزيرة القطرية قبل عام. الأتراك أيضا لهم دور, رحلات تجارية لتجارة “الملابس” و الأقمشة في المقام الأول للصومال و كينيا. وكذا قيل أن أهم مدرسة “أكاديمية النور” في كينيا هي مدرسة تركية. ولكن شباب المجاهدين أيضا لم يدعوا تركيا… فأعلنوا الجهاد عليها!

جيبوتي أصبحت مستعمرة فرنسية, هناك حفلات تعذيب تجرى لبعض شباب المجاهدين هناك. هناك حالة غريبة من التعتيم الإعلامي على كل القرن الأفريقي و كأنه غير موجود بالأساس. الشباب الذين قابلناهم أحلامهم جد بسيطة كانت تؤلمني.


السخرية و التعامل مع الواقع

أحد الشباب يعمل عميدا لكلية الاقتصاد وهو طالب دكتوراه, في عشاء أحد الأيام ظل يخبرني عن الحيل التي يستخدمها الناس في ظل هذا الوضع الأمني. مثلا كيف تحمل نقود معك في ظل هذه الأوضاع الأمنية؟ الحل في برنامج على الهاتف النقال –الموبايل- تضع فيه المال و من ثم تحول لرصيد المطعم أو السوبر ماركت بعد شرائك. هكذا بمنتهى البساطة. و السبب الآخر لأهمية هذه الحيلة أن واحد دولار يساوي تقريب 33 ألف شلن صومالي. بمعنى آخر قد تذهب لشراء كيلو فاكهة و معك حقيبة نقود كبيرة!

وبما إن شباب المجاهدين أيضا يسيطرون على وسائل الإعلام أيضا في الصومال فإنهم أجبروا المذيعين على عدم استخدام موسيقى قبل نشرات الأخبار… هذه الموسيقى المفجعة, فكيف كان تصرف شباب الصومال؟ غيروا الموسيقى بصوت حيوانات… نهيق حمار و زئير أسد … إلخ. ترى في كل أزمة أراهم يختلقون بابا من الضحك. أخبرنا صديقنا محمد الفاتح وهو شاب في أوائل العشرينات ربما لم يكملها بعد, نحيف و طويل و أسمر بسرة خفيفة و يتحدث العربية كما أغلب الشباب قال أنه كان يجلس بجوار والدته ذات الخمسين أو الأربعين ربيعا في السيارة فإذا بأحد شباب المجاهدين طفل عمره 15 عاما يوقفه بسلاح آلي طالبا منه أن تجلس والدته بالخلف لأنها “فتنة” ولأن المار في الشارع لن يعرف أنها أمه. أي عقل لهؤلاء؟ الآن عرفنا لماذا لم تتم دعوتنا في مقديشيو. كان الشباب حريصا على أمننا… قد نكون نحن و هم أيضا مستهدفين بلا سبب.


مزاح أفريقي

مع الوقت تعودنا على الشباب, صاروا يحكون لنا القصص و يضحكون. أخبرونا مثلا أن المعاكسة في القرن الأفريقي كانت بالقول للأنثى يا “كلانشو” و الكلانشو هي أنثى الفيل… كما يقول البعض يا … “أمورة” مثلا. وتعلمنا بعض الكلمات الأفريقية مثل “جوبا” مرحبا, أو هاكونا ماطاطا أي لا مشكلة. وحكوا لنا بعض القصص الأخرى مثلا: حضر وفد تركي شبابي لمقديشيو-الصومال و استضافهم الشباب في أفضل الفنادق. وإذ بهم يتلقون رسالة من أحدهم أن يحضروا على الفور لأمر مفجع. والأمر المفجع كان أن وجد أحدهم صرصار في غرفته… و بالتبعية حزم جميع الوفد حقائبه استعدادا لأن ينتقلوا لفندق آخر. في الوقت الذي فيه يحظر التجوال من بعد المغرب. و الشباب الصومالي يضحك …. الأتراك لا يعرفون مقديشيو بعد!

الزرافة بتحك

أحمد عاشور صديقنا في الجزيرة توك يقول أننا رأينا علم “باتا” شركة الأحذية أكثر مما رأينا علم كينيا, و وائل عادل يقول أنه لم يعرف أبدا معنى كلمة هواء “عليل” حتى اشتم رائحته في نيروبي… حتى إذا سافرنا إلى البراري و أسكرتنا رائحة الهواء النقي هناك و سعة الأفق و الخوف من الأسود التي كنا على بعد 5 أمتار منها قال عبد اللطيف صاحبنا أن الزرافة التي قابلناها “بتحك” فأخبرته أن يشد من أزره و يذهب ل”يهرش” لها!


كيلا كيتو سوا سوا

في الوقت الذي يشتري في الإنجليز أغلى أراضي كينيا (الناكورو و النيفاشاش) و في نفس الوقت الذي يشتري فيه الأمريكان مساحات واسعة من الصومال (مع الحلفاء الاستراتيجين), و في الوقت الذي تدرب فيه إسرائيل الجيش الكيني و تحاول الصين التدخل بالمشاريع الاقتصادية الكبرى , و يتدخل الأتراك بالتجارة. وجدت أننا نقف مشاهدين ولم أستطع أن أقول كما يقول الشباب دائما “كيلا كيتو سوا سوا” أي كل شيء تمام….


ما أتمناه…

في آخر ليالينا سويا في نيروبي تذكرت المستشار طارق البشري, و كيف ذكر أن الأمن القومي الاستراتيجي المصري كان دائما يشمل منابع النيل و البحار المحيطة, وعليه فإن الدولة المصرية منذ قديم الأزل كانت تمتد لما بعد البحر الأحمر لأرض الحجاز. لذا لم يكن مستغربا بالنسبة إلي منذ بضعة أعوام أن يوجد آثار فرعونية في الحجاز. فكلها بعد استراتيجي لأمن الدولة المصرية, لذا لم يفرط فيها المصريين أبدا. المستشار طارق البشري أيضا ذكرته في مستهل الهواء العليل و حشائش السافانا في مهبط الطائرات الصغير الذي كنا نلهو عليه بالقرب من تنزانيا… وضحك الشباب من “ملل” ذكر الرجل في مثل هذا المكان الساحر. حتى سؤلت ماذا تتمنى أو ماذا تغير فيك بعد الرحلة فأجبت:

أعد أني سأعمل على أن يتعلم الكثير من أبناء الصومال في مصر بمنح مستدامة, ولو مكنني الله سأفعل أكثر من ذلك.

كنت أرى أن التعليم وحده كفيل بأن يخلق العديد من الجنود المخلصة لنهضة هذه البلاد وتخليصها من الاستعمار و جهل الدين و الاستبداد الطائفي. وفي آخر جلسة لنا في البراري, علمت أن ثمة مؤتمرا سيعقد عن قريب في لندن لتحديد رئيس الصومال “التوافقي” القادم برعاية أمريكية إنجليزية و أثيوبية و أن الصوماليين سيقومون بعمل “مليونية” لمنع العبث الأمريكي البريطاني بمقدرات وطنهم… لأنهم يؤمنون فعلا أن كل شيء “كيلا كيتو ها إيكو سوا سوا” (ليس على ما يرام).

دمتم.

كاميرا أحمد عاشور و طائرتي الخاصة!


أحمد عبد الحميد

باحث مصري بأوروبا البلد
عن مذكرات كينيا-نيروبي 1
فبراير 2012
لوفان -- بلجيكا

للحديث عن “الكلانشو” و الأسطورة التي فيها غضب الله على الإنسان الأصلي “الأسمر” وسخطه بأن جعل جلده أبيضا, وعن الرسول عيسى الأسمر و قصته و ماساي مارا ودليلك السياحي للعب مع الأسد… مقام آخر.


Copyright secured by Digiprove © 2012 Ahmed AbdelHamid

  Copyright secured by Digiprove © 2012 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

مشاكسة: أنا مش سلفي
أتفهم أن كثيرا ممن مروا مثلنا بمرحلة عمرو خالد و أحبوا الدين لم يجدوا مخرجا ل...
ت13: الطبقة الخلاقة
لم أفهم أبدا كيف يتابع أحدهم شعبان عبد الرحيم وهو مغني اللحن الواحد, ولا قصص ا...
الغرباء… ردا على سؤال د. معتز عبد الفتاح
في زمن, الأغلى ثمنا فيه هو الفكرة, و الأعلى قدرا هو صاحبها, والأغلى سعرا هو مال...
مصر النهاردة... هيفاء
عدت لتوي من صلاةٍ صليتها في جماعة. وقف الصف خلف الإمام. يكبر فيكبرون. يدعو الل...
قلبي
قلبي لو أن له أقدام… لما سار إلا تجاهك لو أن له شراع… لما أبحر إلا فيك لو أن ...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com