المقامة الفنلندية…. عُمر بن الخطاب

أنهيت لحالي عشاءا ً لم أتركَ منهُ شيئا ً. لم تطاوعني نفسي على تركِ صحبةِ صلاةٍ صليتها –اليوم- في جماعة…قبلت الدعوة وجالستُ الرفقة: ليثُ حربٍ, مسلمٌ عائد و رفيقُ عروبة. في هذا الشهرِ الحرام, في تلك الصحبة الكريمة, و على طاولة لم أترك من نعيمها شيئا ً… أحتقرُ ضآلةَ همتي.

قال الليثُ للعائدِ: متي أسلمت؟ قالَ العائد: وهل يولدُ المرءُ إلا مسلما ً؟!

قال الليث: ُكيف قبلت أمك إسلامك؟ قال: تحب ما أنا فيه من خلق ٍ واستقامة…بَلِّغني أنتَ… كيف كانت عودتك؟

قال الليثُ…عظمت قوتي و والله ما خشيت شيئا ً و لا صليت … حتى قامت الحرب… ذهبت و خلفي أمي و أخوتي… مضيت و صديقي شهيد على يدي… بكيت لربي في أولِ صلاةٍ… قُبِضَ صدري… واشتعل الخوف في جسدي كالنار… قُمتُ من صلاتي… والإسلام إليّ ك “العسل”… أنهل فلا أحلى و لا أطعم. أُصِبت في الحرب. لم تكفي تسع عمليات… فهاجرت هجرتي الأولى للعلاج… و تزوجت. أنجبت طفلا معاقا… و أتممت عشر عمليات أخرى… قال العائد آسفا ً “لا حول و لا قوة إلا بالله” . زمجر الليث غاضبا ً “و الله الذي لا إله غيره ولو ألف عملية و لو ألف ولد مصاب… ما كنت لأهرب و لا أحزن حتي يرضى الله عني” … و لكن ذلك ليس سبب هجرتي الثانية!

قال الليث… لما كان الشتاء و كانت الحرارة في المعتاد تحت الصفر بعشرين درجة… و كان المسجد على مقربة جسر من بيتي… و أكمل ضاحكا: والله يا أخي ما مررت عليه إلا و تجمدت روحي من وقع الهواء علي… وتم مرضي فقررت هجرتي و أهلي ثانية…

و حدَّثنا عن الحرب… و عن الكرب. حدثنا عن العباد … و عن البلاد. فحدثت نفسي… ماذا أرى؟ جوع حرب و صلاة ظهر في جليد برد في جمر قلب… و إيمان رجل في أرض عجم في حرب دين في قتل أحبة واحتساب صدق في ابتلاء رب… و نعيمٌ أحيا في شتاتِ دينٍ في مغبةِ غفلة و حب عمر في فتوة شباب في لسان عرب … و لا أفعل شيئا!

قال الليث و كأنه يجاوبني: ” كل شيئ يتغير… بإذن الله… انظر كيف تغير عمر ؟!”

أحمد عبد الحميد

باحث مصري في أوروبا البلد

لوفان – بلجيكا

ديسمبر 2009

أترك تعليق أو تقييم أدناه

تعليق واجب / يوليو 2010:

بطل هذه القصة -الليث- حقيقي وهو من البوسنة و الحرب المذكورة هي الحرب مع الصرب و البلد التي هاجر إليها أولا هي فنلندا والثانية بلجيكا…. اسمه الحقيقي أبو حمزة. وهو جد طويل, وسيم حاد النظر, قوي اليدين… حين سلمت عليه خفت أن يسحق يدي الصغيرة بالنسبة إليه. وحين سألني أي الرياضات أمارس… ضحك مني وقال هذه ليست رياضات الرجال!! وكنت قد ذكرت عدة لم يعجبه منها غير السباحة وعاب علي لعب الكرة. شعره طويل أشقر ناعم و له لحية مهندمة, يذكر الله في كل عشرة كلمات مرة ولم أره بعد تلك المرة ولو حتى صدفة إلى الآن. إلا أنه له فعلا هيبة عمر بن الخطاب في نفسي. سمعت منه قصص كثيرة في تلك الجلسة… كان له ولها وقع السحر في قلبي. و أخيرا الأخ العربي الداعي جزائري أحد أعز أصدقائي, و المسلم العائد شاب دون العشرين من أب إيطالي و أم بلجيكية وكلاهما لم يعتنق الاسلام ومع ذلك الولد يعيش معهما وقد تزوج فتاة عراقية في أجمل ما تكون الزوجة من بهجة و جمال و براءة و مرح ودين و خلق… كنت قد قابلتها في محاضرة كنت أنا أحد منظميها… وسعدت أشد سعادة بزيجتهما… وكلاهما يحيا في كنف والدا الولد حتى يعف نفسه عن مغالطات الغرب ولا يعق والديه على خلاف من هم في سنه.

ربما لو قرأتها الآن تشعر بالمقامة أكثر؟؟

كم هو جميل أن تشعر بقيمة دينك و وطنك!!


  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

مجلة من أوروبا البلد 3 || اكتشاف الحرية
عدد أبريل من مجلة "من أوروبا البلد" و هو العدد الثالث من تحرير إنجي فودة.
الثورة و قطعة الجبن
سيأتي فارسا على رأس قبيلته, ستأتي القبيلة على رأس العالم, سيكون هو رأس القبيل...
ت14: دعما للثورة السورية
دعما لإخواننا في سوريا... تظاهرنا يوم السبت من أمام السفارة السورية ببروكسل-ب...
تدوينة 1: الجمعة — أزمة
كان استاذنا في الجامعة يقول: "لو لقيت نفسك مش لاقي وقت تعمل حاجة نفسك تعملها و...
مصر النهاردة... هيفاء
عدت لتوي من صلاةٍ صليتها في جماعة. وقف الصف خلف الإمام. يكبر فيكبرون. يدعو الل...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com