المقامة الحيوانية… حقوق

مررت لتوي بمظاهرة متكررة طلبا لحقوق الحيوان.  لم تكن الأولى و لا أظنها الأخيرة… فالحيوانات تتألم مسلوبة حقوقها. كان لابد ممن يقف ليدافع عنها. سافر الكثير إلى الوصول إلى تلك البقعة للمطالبة بحقوق الحيوان.

بني آدم:

المذيع للمصري المهاجر: “ماذا كان شعورك لما حصلت على الجنسية الانجليزية؟”
المهاجر: “حسيت إني بقيت بني آدم”
بدون تردد قالها للمذيع… فامتعض المذيع: “أمال انت كنت قبل كده ايه؟”
وبدون انقطاع… انهال سباب المشاهدين على المُجيب. و كنت أنا وقتها من المشاهدين. لم أفهم ما الآدمية في كونك “بريطاني” الجنسية؟!

ولكني الآن أستوعب رد المُجيب. ولكي تفهم أنت أيضا هناك ثلاثة وجوه, تعرف منها واحد, و أحكي لك منها عن واحد, و أترك الأخير لك لترسمه بنفسك. ولكن قبلها دعني أذكرك بمشهد تعرفه جيدا… ولا يبدو غريبا عليك…

بداية ونهاية:

يُوقفه الضا بط و يقول: “بطاقتك ياله” أنتفض من مكاني و أقول كيف يُسمح له أن يناديه كذلك… ليس من “حقه”. تضحك زوجتي و تقول: “جت على دي.. يا أحمد…”.  أحتج… هذه هي البداية.  أتذكر دائما ضابطي الجوازات و كأني أعبر في كل مرة من كوكب إلى آخر يقول الأول في أوروبا و هو يُعطينى الأوراق: “سيدي… تقضل” و زميله الآخر في مصر يقول: “ورقك يابني”. يفهم أنه في وطنه قد يعامل المرء على أنه من الكلاب… ولو أنه آدمي. يعرف أنه حتى حقوق الكلب في أن ينبح و يشتكي ظلم سيده… حرام عليه بأمر الدولة.

الوجه الأول: حقوق الحيوان

كلب:

في الغالب القطارات و كل المواصلات العامة بل وربما الشوارع في سويسرا فارغة اللهم إلا في منتصف المدينة. وكأنهم صنعوا كل شئ و أتقنوه فقط لكي تتمتع أنت به وكأنك في نادي اجتماعي راقي واسع البقعة!
و على غير العادة, اكتظ قطارٌ كنت استقله في زيارة أحد أصدقائي بالطلبة حتى لم يجد البعض منهم مكانا ليجلس عليه وهو الأمر النادر في الحدوث. وأمامي بينما أجلس أنا جلست امرأة ولها كلب في صندوق على المقعد المواجه لي. بينما وقف آدميون آخرون… تربع الكلب داخل صندوقه على كرسيه. ولما سألت صديقي قال هو من “حق” الكلب لأنه قطع تذكرة. كان ذلك هو أول يوم في عمري أعرف أنه للكلب الحق في المواطنة أيضا… و أن للكلب جواز سفر و أن للكلب صفة قانونية… أي أنه يمكنك أن تقاضي كلبا أو العكس في بعض البلدان و أن قوانين حقوق الحيوان تدرس في عدة جامعات فعليا و أن للكلاب صفحة للوفيات بل وصفحة مفقودون في الجرائد اليومية.

عصفورين:

في تلك الكافيتريا المفتوحة في أوروبا التي تطل على بحيرة تحاصرها الجبال من عدة جوانب و بينما نحن جلوس نحتسي القهوة و نتأمل الجبال و بعض الطيور البرية التي تُحلق في سماء البحيرة و نسائم الهواء تنعش صدورنا, حط عُصفورين على مقربة 30 سنتيمترا أو أقل منّا على الطاولة التي بين يدينا ليستقرا على طبق فيه قطعة شيكولا صغيرة ويبدآن بنقرها في أمان كعادة بقية الحيوانات البرية التي يأتيها طعامها في البحيرة من الدولة وذكرني صديقي أن العصافير لا تحط على الأرض في بلادنا… وأن ذلك الوغدان –العصفوران- لا يقدران على فعل ذلك في بلادنا… فحدثت نفسى: هيه يا أحمد… أتذكر تجمع القمامة على شارع عبد الناصر في الأسكندرية حيث أحد أبناء الوطن ييحث عن قطعة موز متعفنة أو رمة ليسد بها جوعه؟…إياك ونسيانه.  يومها فهمت أنه من حق حتى العصفور أن يأمن مسكنه و مطعمه من الدولة.

مدخل بيتي:

سكنت عاما في بيت بلجيكي خشبي يملكه ملحد. والملحد هو من أنكر وجود الإله وجودا مطلقا. في مدخل البيت وضع صورة لرجل مسلم يقف على حافة جسر ممتد طويل مرتديا قفطانا أبيض و طاقية أندلسية و أعلى رأسه كُتبت قائمة بحقوق الإنسان. في كل يوم كنت أخرج وأعود مالا يقل عن مرتين. و في كل يوم أُحاول أن أقرأ هذه الورقة… بعد نقطتي حرية الدين والفكر…ولا أُتم منها “أمان الفرد و المنزل”. كنت دائما أفكر في إختلافي أنا وصاحب المنزل و كلمات مهاجرين آخرين تتردد “ولما أخبرته أني مسلم… احترم ذلك كثيرا”. الآن أفهم أن الاحترام هو شئ من حقك. تأخذه أولا لإنسانيتك قبل كل شئ حتى وإن عبدت عين الشمس أو قلب القمر. و أن أوطاننا كلها محرومة من تلك النعمة. حتى أن إخواننا المهاجرين ما إن يذوقوها حتى يصرفوها لأي شئ إلا أنفسهم… و إلا أن تكون من حقوقهم أصلا! فمنهم من يصرفها لدينه و منهم من يصرفها لعمله و منهم من يصرفها لماله… ولكن أبدا لا يذكر أنها حقٌ من حقوقه. واستوعبت الدرس جيدا أن أمان الفرد والمنزل واحترامهما هو حق مسلوب لكل أبناء الوطن وهو الحق الذي يأخذ بناصية كل أبناء الوطن لما دون حتى حقوق الكلب الأوروبي.

ولا أزيدك من مشاهد تعرفها مع السلطة التنفيذية… فبينما شعورك في أوروبا بضابط في الشارع يُشعرك بالأمان… حين ترى زميله المصري تبدأ بالدعاء “يا ستار يا رب” ويتحول من هو أصلا عاملا لديك إلى جلاد لك ومن يقتات من مالك أنت إلى جلادك ومن جعلته حافظا على أمنك إلى حاكما على رأسك و رأس أهلك بل وعليك أن تسير بجانب “الحيط” إن لم يكن لك “ضهر”.

أكاد أجزم أن للعامة في مصر أنه “كلب في بريطانيا… أفضل من بني آدم في مصر”. و إلا فما الذي يجعل شبابنا يُلقي بنفسه في البحر ليموت مرات تلو المرات؟ أليس الموت أكرم من أن تحيا ميتا أو حيوانا؟  ولكنها ثلث الصورة بقي لك وجهان لتحسب حسابك جيدا ً…

الوجه الثاني: مادية الغرب

في المرض:

يقفز على قدم واحدة إثر إصابته في ركبته الأخرى. يطلب من صاحبة المنزل الأوروبية بعض قطع من الثلج يثبط بها ألمه. تُحضر له بعض مُكعبات و تنظر في برود أشد من قطع الثلج ممزوجة بابتسامة كالحة: “بإمكانك استخدامها جميعا”… يتعجب لكرمها المُفرط!. يصعد لغرفته بمعاونة صديقة يظل بلا ثلج آخر بألمة ليوم واحد ولا يسأل عنه أحد. يذهب للمُعالج فيلاوعه… يعطيه أدوية تثبط ألمه ولا يقر له بعمل أشعة رنين مغناطيسي. ولكن لم؟ ألن يدفع التأمين الصحي كل المال؟ نعم ولكن الطبيب لا يخشى أن ينفق من مال المريض و لكن يخشى أن ينفق من “المال العام”!.

صديقي يُذكرني بصديق آخر: يوم أُغمى علىه فيه في غرفته, لثلاث ليال متوالية, في دولة أوروبية أخرى. ومعه ثلاثة شباب في الشقة يدرسون ما يدرس, ولا يسأل أحدهم عمن غرق في غُرفة مظلمة, في إغماء متواصل… ربما لو طال الإغماء لكان اشتم أحدهم رائحة بوله على نفسه وهو فاقد الوعي ليتأفف و يسأل عنه؟

حادثة:

تتسارع عجلات الدراجة على الجبل الأوروبي المنحدر بشدة لمسافة الكيلومتر ونصف تجاه منتصف المدينة… تفقد كوابح العجلات –الفرامل- قوتها… يعرف أن الاصطدام واقع لا محالة مع تلك السرعة… تتوقف سيارة في آخر الطريق… يعرف أن أمامه فقط عشرة ثواني على الارتطام… يقرر القفز… من فوق الدراجة… ينحرف بها تجاه دراجات نارية راكدة على جانب الطريق و يتركها لتصطدم بعنف بهم بينما هو يتقلب كما الكرة منحدرا اسفل الجبل ليصطدم بالسيارة بجسده. ظن حينها أن الكل سيتوقف. لم يتوقف أحد. لم يعاونه أحد على النهوض. لم يسأل أحد عن الصدام الذي حدث أو عن الأذى الذي أحدثه هذا الولد في ممتلكات آخرين. كلٌ لا يفكر إلا في نفسه. يحمد الله على نجاته و يمضي. يدعو الله أن لو تكرر ذلك أن يُقيض الله له رجلا شهما في أول يوم من الحادثة ليتكبد ثمن مكالمة الإسعاف أو البوليس ليخبره أن هناك جثة على الطريق… أن تعالوا إحملواها لمثواها.

يستوعب آخر الدرس… قد يموت كما تموت الرمم… و تظل رمته ككلب في الطريق أو في غرفة… إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

الوجه الثالث: ترسمه أنت

وفي نهاية المطاف, احتشد العامة في مظاهرة أخرى لحقوق الحيوان… حيث وقف بضعة آدميون داخل قفص حديدي احتجاجا على التجارب العلمية اللتي تجرى على الحيوان.  و سألت صاحبي:
- أيهما أفضل: كلب في أوروبا أم بني آدم في مصر؟
قال مباشرة:
- أكيد كلب ف مصر أحسن من دول… دول ما يعرفوش يعني ايه انسان أصلا
-  ولكنهم اختاروا أن يتركوا آدميتهم للمدنية أو المادية… سمها ما شئت… ومنهم من لم يترك آدميته… و في كل الأحوال هو اختيارهم… أما نحن فمنا من يعيشون دون كلابهم هنا… ولا أمل لديه في الحياة. حتى أولئك المنعمون من الطبقة الوسطى مسلوب منهم أعظم ما في آدميتهم و لا يعرفون.  وما دمنا نهون في أوطاننا فكيف ترفع لنا هامة في غيرها…
- ألا يهتموا لفلسطين أو العراق أولى من القرود؟
- وهل كنا نحن لنهتم بالإيدز؟! هل سمعت أحدا في مصر يتحدث يوما عن الكونغو؟!!
-ومالنا والإيدز؟ ومالنا و الكونغو!
-ومالهم و فلسطين!  ومالهم وأن تًظلم في أرضك؟ أتبتغي العزة عندهم؟!! أنت من ارتضيت بذلك… فاقبل أمر الله فيك بظلمك لنفسك. الكلب يذكر الظلم فينبح… فلا يكونن الكلب أفصح منك. أضعف الإيمان ذكرك للظلم ولو في نفسك!
و القرار في النهاية إليك… في أي شريحة من المجتمع تُصنف نفسك؟ مع الآدميون القلائل أم مع الحيوانات الكثر..
- لا تشتم!
-أيضرك حقا أن أقولها أنا… ولا يضرك أن كنت تحياها؟ اعلم يا صديقي أنه من حقك أن “تُحترم” حدا أدنى ليس لعلمك ولا لعملك… ولكن لآدميتك. اعلم أن انتقاص ذلك الاحترام يآخذ من آدميتك قدرا.. لا يعوضه ملكوت الأرض ولا السماء. أليس من حقك  في الدنيا أن تعبد ما تشاء؟ فمن الناس من عبد نفسه فأضلته و منهم من عبد حاكما فكان له محكوما و منهم من عبد الله فعرف كيف كرمه الله و حط هو من نفسه بذنوبه.
قال مازحا:” أتعرف… ربما هو سؤال آخر: أكلب تحيا أم كلب تموت؟
قلت: بل كريم تحيا… و كريم تموت…  أنت من يختار, فاختر ما شئت.

أنت من يضع مكان الوجه الثالث… فضعه حيثما شئت… واعرف قدرك.

تعليق الكاتب:
سألت نفس السؤل مباشرة لأربعة من معارفي في أوروبا:
السؤال: أيهما تفضل أن تكون –حقوقيا- كلب أوروبي أم بني آدم في مصر؟
الأول: أكيد بني آدم في أي مكان أحسن من الحيوان
الثاني: هو في بني آدمين في مصر؟؟!!
الثالث: اللي هنا دول مش بني آدمين أصلا
الرابع: أنا هنا عايش

ملحوظة: الأول عمل مستشارا في مصر براتب قارب الثلاثة آلاف دولار. الثاني عمل عامين في مؤسسة حكومية قبل سفره. الثالث انتقل من كنف والديه لحياة الطلبة في أوروبا. الرابع ممن قذفوا بأنفسهم في البحر هربا من بؤس عيشه في مصر. والخلاصة: الإجابة تتحدد بما كنت فيه في مصر و ما تؤول له في أوروبا. ولاكن هناك حدا أدني لا تدع أحدا يحرمك منه لأنه حقك.

أحمد عبد الحميد

باحث مصري في أوروبا البلد

لوفان – بلجيكا

أبريل 2010

أترك تعليق أو تقييم أدناه


اقرأ أيضا:

فكراطية
قد يبدو ما كتبت جنونا, ولكن أظن أن من وضعوا فكرة النظام الديمقراطي الأساسي به...
تدوينة 6: معالم على طريق الصدمة الحضارية لمسافر
يبدأ في طرح الأسئلة التي تهاجم كل المسلمات... أعني كل المسلمات, أقصد فعلا كل ا...
الغرباء… ردا على سؤال د. معتز عبد الفتاح
في زمن, الأغلى ثمنا فيه هو الفكرة, و الأعلى قدرا هو صاحبها, والأغلى سعرا هو مال...
المقامة الباريسية... الجذور
في تلك الليلة لم يغمض جفني... ربما سويعات قلائل تركت عقلي للمنطقة الحرة بين ال...
عاده
تنهال على ما أسطره، تسقط من رأسي فأرسلها، تداعبني لأدللها، تركض فأركض لمجار...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com