سيدتي… لولاكِ


في كل يوم راهن الجميع على فشلي… وقفت هي لتقول “أنت عمري كله… أثق فيك“.  في كل يوم ضاقت علي الأرض و استوحشت جنباتها لم يكن لي مأمن فيها غير ذراعيها… طفت الأرض ولم أجد على الأرض مكان أدفئ من صدرها… لا تطمئن نفسي إلا بسماع دقات قلبها وأنا جاثم على صدرها… سيدتي… الجنة عند اقدامها… وأنا أقسم أن رضاها يمحو هم الدنيا و الآخرة وقبلة ليداها خير من مُلك الدنيا وما عليها.

لا تيأس… مهما قيل!

في عام يأست مُعلمة الروضة أن تُعلمني حرف الألف… قالت سيدتي: “يعيدها و يضيف عليها الإنجليزية!” وفعلا أعدت عام الروضة وأضفت علي الأبجدية العربية الأبجدية الإنجليزية و ثقبت كراسات عدة حتى تعلمت حرف الألف. و أثبتُ فشلا ذريعا في الحساب و أمضيتُ عامان حتى تعلمت جمع الآحاد و الكل يؤكد على شئ واحد… غبائي المستحكم… وعدم وجود احتمال ولو ضئيل في أي رجاء من تعليمي… بينما سيدتي تؤكد لي دائما “أنت عمري كله… أثق فيك” حتى كنت في أوائل طلبة المدرسة في الرياضيات وتخرجت في الهندسة ونلت جوائز فيها سميت مخترعا و مبتكرا و فيها قيل أول مصر حتى أتى سفري وعارض والدي فقالت: “فاليخرج وليرى أمر الله فيه… أحب أن أراه يتعلم و يعمل ما يحب” و بكت لرحيلى كثيرا وبكا والدي و سافرت والحال أني باحث في أكبر مركز أبحاث في إلكترونيات النانو في أوروبا… وهي تكرر “وقالوا يوما لن تعرف الجمع والطرح!”.

من أين لك هذا يا أبيض؟

أتمتع بضعف في الذاكرة لا يضاهينى فيه أحد… صحبنى منذ أول الطريق… ومع ذلك اصطحبتني سيدتي وأنا دون السبع سنين إلى معرض الكتاب واشترت لي عشرين قصة من قصص الأنبياء وآخرون من قصص الصحابة منها أبو ذرٍ الغفاري و قصة عن النعمان ولم يكن لي عهد بالقراءة. فقرأت لي منها خمسا و شجعتني على قرائة البقية. فانتهى بي الحال إلى كنز لها عند بيت جدي. كان لها صندوق كتب كانت تقرأها في صباها وشبابها: قصص و أساطير و ألغاز. منها المغامرون الخمسة  ومنها ما شابه ألف ليلة و ليلة ومنها قصص لطه حسين و منها العبقريات… منها عبقرية عمر… من يومها و أنا أحب عمر و أقرأ للعقاد وأنا دون الثانية عشرة و تعلقت بأنيس منصور و بأدب الأسفار وقرأت حول العالم له و أنا ابن الثالثة عشرة… استعرتها من جار لنا. وكتبت العربية الخالصة حتى قالت مدرسة العربية “من أين تنقش ذلك الكلام يا أبيض” كناية ً عن بياض رأسي لا عن بياض وجهي. وكلما حدثت سيدتي قالت: “وقد قالوا يوما لن تكتب الألفَ!!”

ما قيمتك بدون والديك؟

وكما كانت اللغة العربية عائقا كانت الإنجليزية و خاصة كتب العلوم… وكانت لغة سيدتى ركيكة فعكفت على دروس المعهد البريطاني أعواما تلو الأعوام لأجلي… وترجمت كتبي كلمة كلمة… حتى أقرأها وأنا في مكتبها في جو مكيف وعامل يقوم على خدمتي بضغطة زر… وأصدقاء عملها الأجانب يدفعونني دفعا لنطقها حتى نلت نيشان العلوم الأول بما ترجمت هي وأنا ابن الثانية عشرة و صدحت باللغة الثانية بعدها بعامين أو ثلاثة. وأصابني العُجب و الغرور فقالت سيدتي: “ما بالك تعمل و تكسب مالا في أجازتك؟” قلت: “ومالي و المال ؟” فقالت: “اعمل واشتري ما تريد”. وكنت وقتها مولعا بثقافة الغرب… لا أسمع إلا أغانيهم وأفلامهم ولا أستمتع بحديثٍ إلا لزملائها الإنجليز في العمل أو لمدرس المدرسة الإنجليزي. و أقنعتني بأني في حاجة للمال لأبتاع ما يحلو لي ودون الحاجة للطلب من أبي. و أخذتني لموقع بناء كانت هي رئيسته, فيه من العمال و المهندسين ثلاثة آلاف. سلمتني لمقاول وقالت: “أريد أن يعمل أحمد”. فسلمني لمهندس قال “أوجد عملا للأستاذ“. فسلمني المهندس لمقاول أنفار قال: “أوجد له عملا”. قال المقاول: “ماذا تعرف” .  قلت: لاشئ. فقال: “فاليكن عملك في النجارة!”. فآخذني لرئيس النجارين وقال: “أوجد له عملا” و منه إلى نجارة التسليح إلى أحد كبارات النجارين و منه إلى مساعده قائلا “أوجد عملا لهذا الولد” و عملت قرابة العشرين يوما حتى أصبت. فيها كانت الغرفة المكيفة بين ناظري ولا أطالها. في ساعة الراحة كنت استحي أن أذهب لسيدتي وأنا مهلهل الملابس و أنا رث الهيئة… وكيف لي أن أسمح بأن يراني أصدقائي الغربيون و أنا على تلك الشاكلة؟ امضيت معظم الوقت مع العمال. كان أجر الواحد منهم 10 جنيهات هو رزقه و رزق أولاده في هذا اليوم, منه ينفق 25 قرشا لقطعتي فلافل ورغيف خبز يثبت به معدته حتي يعود لأسرته. وعملت فاعلا فمقطع أخشاب حتى ترقيت وصار لي حزام نجار وعدة خاصة لي بها أثبت مسمارا بطول 10 سنتيمترات بخبطة واحدة… هو نفس المسمار الذي سمعته يخترق حذائي  الأسباني المصنوع من جلد الشمواه المقلوب ليصدر فحيحا في طريقه لخارج قدمي…

أين باب الكرامة في الدنيا؟

وأهرع لأحد الأجانب “فرانسوا” اللذين لم أكن أعرفهم و أسأله أن يسعفني فيأبى. ودمي يسيل فأهرع لسيدتي فتأتي بالأجنبي فيأخذني في سيارته و يسعفني. و أعود بعد يومين لآخذ مالي وأنا أعرج على قدمي فيعنفني المقاول و المهندس على غيابي… فأحتج بمرضي و إصابتي فأُقال من عملى… وأُحرم قوت يومي… و يُلقى إلي بحسابي ال152 جنيه لاغير في وجهي. وأعرف يومها أن قيمتي في عملي وفي العلم الذي أحمله أنا لا في مكتب سيدتي المكيف ولا في سلطتها ولا علم والدي ولا علاقاته. ونظرت إلى الموقع اللذي يعمل فيه العمال وأنا أعرف أن الواحد فيهم لا يملك إلا صحته… أما أنا فليس لي باب للكرامة إلا من العلم… لا من الرقص والتسكع. وعدت لسيدتي فقالت إحفظ عن جدي و جدك عن رسول الله أنه قال”أخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم”. وستمر الأعوام بعد ذلك لأعدم المال والسبيل إلى والِداي ويصيبنى الفقر فقرا شديدا… في أول أعوام سفري… وأنا أذكر حديث سيدتي. ولم أكن أعلم حينها أني سأصنع أول مكتب خشبي لي من فتات أخشاب تركها عمال بولنديون في غرفة لي بسويسرا بعد أن حطموا سقف الغرفة. وأنا كالجبل لا تؤثر فيه فاقة وكالريح لا تصده إعاقة.

الأحلام تتحقق فقط بالصدق والعمل

دفعتني سيدتي للمسجد قبل بلوغي الخمس سنين أملا في أن أعرف الصلاة و أعرف لله طريقا… وشرعت في حفظ الكتاب حتى حفظت منه ما  حفظت… فتعلقت بالمساجد وعرفت الإحسان و ذقت حلاوة الإيمان و أنا ابن احد عشر عاما واصطحبت كتاب الله… وتغنيت به  حينها حتى أبكيت مسجدا بعذب صوتي… حتى هدم المسجد و كبر الولد وتغير صوته…. وقرأ فقها  مما كان في بيت والديه وهو مراهق وشب يفكر في خلق الله  وتعلق قلبه بالبيت الحرام وأصبح يحلم بلقيا الحبيب و بالصلاة في الحرمين وتعلم حبهما منها وصدق الله حتى كُتبت له زيارته الأولى ضيفا على الدولة السعودية… دخول لا يليق إلا بأمير… و تقلب الحال في عام واحد واستغلظت الدنيا وتقلب ثانية وعاد من ضيق إلى سعة بعد فاقة ليكون حِجه في أوج شبابه وكان قد تمني أن تكون الزيارة مع سيدة الأحبة ولكن الله قدر شيئا آخر. ومرت السنون وما زرعت هي بيداها يكبر يوما بعد يوم والأحلام تُحصد -ما عُمل لها- واحدا بعد الآخر… و لربما خرج نبتُها بعد أن صار رجلا يسقي الناس خطيبا -عند الحاجة- باللغتين.

سيدتي … لولاكِ

لولاك لما عَرِفتُ الحروف… لولا صبرك عليَّ وأنا أُعيدُ الألِف آلاف المرات…  لما كتبتُ و لما قرأت. لولاك ما كان أول حاسوب لي… ليكون هو عملي بعد ذلك… لولاك لم يكن عملي ولا علمي. لولاك ما كنت عرفت القرآن ولا السباحة ولا الرسم ولا الشعر و لا اللغة ولا الألوان ولا الأشكال ولا كل تلك الأشياء الصغيرة اللتي دفعتينى لتعلمها بلا خوف… لولاك ما كان نُطقي… لولاك لكنت صعلوكا يركض في الشارع… يلعق الأسفلت ويُظهر من عورته أكثر مما يَستر… لولا ثِقتكِ في ما عرفتُ الطريقَ لأفضل ما في نفسي… لولاك ما عرفت معنى إسعاد الناس و إيثارهم… لولاك ما عرفت التمرد… لما عرفت الخروج… لما عرفت الجرأة… لولاك لما عرفت الشرف والصبر… لولاك لما عرفت كلمة الحق وإن آلمت… لولاك… لكنت خبيثا منافقا متكبرا جاهلا ضالا فاشلا تعيسا غريبا… لولاك لما صرت اليوم رجلا… لولاك حبيبتي ما كنت أنا. ما هو كائن في من سوء فهو مما جنت يداي من ظلمى لنفسي… وإن كان بي خير فهو من طاهر ما غرستي أنتِ. والله ما أكرمني عبد من عباد الله ولو بكلمةٍ إلا ورددت له الصاع مائة -ما استطعت- عرفانا بالجميل وكرما وإحسانا مني كما علمتيني… ولكن أنتِ… كيف السبيل لرد جميلك؟ و”أنا” جميلك؟ كلى لك يا حبيبتي… أتعرفين… أبكي فراقك ما خلوت لنفسي… بعيدا عن ذراعاك تبدو الدنيا موحشة مقفرة… أتذكرين عبوة الحلوى اللتي كنت اهديها لك بأن أخبأها لك في رف المطبخ بعيدا عن أعين أخواتي؟ أبكيها كل يوم… لأني أعرف أن يدي بعيدة… ولا أقدر على رسم تلك البسمة على شفاهك حين تعرفين أنها مني. هل تعرفين أني ما ذاكرت إلا لأنظر في وجهك يوم النتيجة و أراكي راضية؟؟  هل تذكرين أيام نحيبي وأنا في المدرسة الابتدائية لأني لم أكن الأول… والله ما أحببتها… ولكنى كنت أفرح لفرحك… وبكيت فقط لأني شعرت أني خيبت ظنك في. أمي و حبيبتي و رفيقة عمري… سُعادي وسعادتي لبسمة منك إلي خير من الدنيا و ما فيها و والله لقُبلةٌ ليداك الكريمة أحب إليَّ من أن يوضع ملك الدنيا عند قدمي. أماه آسف على بعدي. بالله عليكي سيدتي سامحينى إن أخطأت واغفري لي إن خيبت ظنك في… وتجاوزي عن طفلك… والله طفلك وإن نبت الشيب في الرأس… إغفري له بعده عنكِ… عفوكِ سيدتي. أنا كلى منك و لكِ. أشتاق إلى يداكِ أدفن فيهما رأسي و أطهر بذاك نفسي. جزاكم الله عني وأخواتي* خيرا.

أمي لو شغلت في الخلد عنكِ… نازعتني إليكِ في الخلد نفسي**

رَجُلاً هو  قبل كل شيئ طفلك,

أحمد

مارس 2010

*أعد منهن خالاتي
**مع الاعتذار لأحمد بك شوقي

  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

مجلة من أوروبا البلد: عدد 1
مجلة من أوروبا البلد هي مجلة تصدر شهريا بإشراف إنجي فودة ويتم فيها تجميع أهم ...
نعي اللكاعة
في كل صباح أنعي جلوس الأخت بجانب السرير حتى أنفض غبار الكسل عن رأسي و أرحمهما ...
وفاة… السيد الرئيس
أغلق التلفاز بعصبية ولم يعرف لماذا تسري فيه أيضاً تلك القشعريرة. لم يعرف لماذ...
إلى أنا
يا أمة الله … استحلفك بالكريم وبما تحبي…ولا تحبين إلاي… … كوني لي زوجة… م...
قيثارة تحتضر
قيثارة تحتضر لأناملها يكون قلبي قيثارة ولكنها حمقاء... تعزف ما شائت علي أن...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com