الثورات الجزئية…

(1)

البعض يملك القدرة على التغيير ولا يملك الرغبة. و الكثير يملك الرغبة ولا يملك القدرة. و بين الرغبة و القدرة يحيا هو… هو من يقرأ هذه السطور… من هو؟ لا تهم الأسماء.  هو شاب مؤثر, يُؤثِرُ الحركة على السكون, ربما يُحب لفظ مجدد… مغير… لا تهم الصفات… المهم الأفعال. هو محب للسلف ولا يركن إلى ماضي الأجداد… هو مخالط لبني عصره ما يكفيه مؤونة الرحلة لسلامة الوصول… هو لا يطمع كوالديه في خير ربما يلوح في الأحفاد… بل يعرف أن المستقبل يصنع الآن… لذا يجب أن يختار الآن ويتحمل تبعات قراراته.  شاب لا يعاقر النفاق فلا يختار  الباطل و إن كان الأقوى… يعرف أن الحق حق يطلبه و أن الباطل باطل يدفعه… شاب يفهم أن الحق لا يضره قلة مناوئيه ولا الباطل يرفعه كثرة منتحليه. يمد يده إلى التلفاز فيرى مذيعا يسأل عالما: كيف يستطيع الناس على المستوى الفردي مواجهة الفساد؟  يُصغي السمع… ينتظر إجابة العالم… و تتعلق عيناه بشفاهه فإذا به يقول كلمة واحدة… كلمة قد تبدو بديهية ولكنه كان في حاجة إلى سماعها من استاذ… قال الأستاذ: التجزئة. {1}

يسأل نفسه… أليس هناك اقتصاد جزئي؟  تجارة جزئية؟  فيزياء جزئية؟  إلكترونيات جزئية؟ إذاً… هنا تلمع عيناه لفكرة…  فكرة رصدها هو الآخر… فكرة من كلمتين…

لماذا لا تكون هناك….

ثورة… جزئية.

(2)

يمد يده إلى مكتبته الصغيرة لِيُثوِّرَ –ليبحث- الأمر… يستخرج حديث عبد الله من لسان العرب: “أثيروا القرآن…” وتثويره قرائته والتفكر في معانيه و مدارسة تفسيره.  يفتح القرآن فيقرأ: ” أَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا ” (الروم 9) أي قلبوا وجهها… يوغل في القراءة فيعرف الانتصار للمظلوم أيضا بمعنى آخر لذات الكلمة “وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ” (الشورى 39). هي أيضا الحركة من بعد السكون… “اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً“ (فاطر 9) أي تهيجه كي ينتشر, و يذكر بقرة بني إسرائيل{9} التي كانت “ بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ“  (البقرة 71). إذا الكلمة الأولى لها عدة معان: التغيير, التجدييد, الانتصار, الهياج, الخروج…  وليست بالضرورة صداما صغيرا كان أو شاملا يأتي بنهاية الطرف الأضعف… الكلمة الأولى هي “الثورة” بمعناها الواسع {2} و الكلمة الثانية هي “الجزئية” بتحديد أهدافها وأفرادها .

يُعرِّف “الثورة الجزئية” الإيجابية بأنها حركة من سكون تضم عنصرا واحدا على الأقل بغرض الطلب أو الدفع و تتعهد مشكلة جزئية يرجى اصلاحها. و الطلب هو طلب لتغيير المجتمع إلى الأفضل والدفع هو دفع مَفسدَه بدون التعارض مع قواعد النظام القائم المعلنة أيا كان عادلا أو ظالما.

(3)

على أرض الواقع بينما نكتب هذه السطور… هناك فعليا حركات جزئية مثل كفاية ضد التوريث, 6 أبريل ضد الطوارئ, 19 مارس لانفصال البحث العلمي, عايز من ده ضد الفساد العقاري,  لا لبيع مصر…. إلخ. ولكن هل يجب بالضرورة أن تكون الحركة سياسية؟ بالطبع لا! فالمجددون في مناحي التعليم والإدارة(مثل الحكومة الإلكترونية) و المدافعون عن تغيير اللغة و تردي التعليم وإسفاف التلفزيون –ميلودي-… والمطورون في أعمالهم التقنية والأدبية يدخلون ضمن التعريف السابق.

ولكن لماذا التجزئ؟ أولا:  الديمقراطية نفسها ربما لا تستثير أحدا لطلبها ولكن شرائح مختلفة أكبر ربما تهتم مثلا بثبات سعر رغيف الخبز أو التنمية الإدارية أو اللغة… إلخ.  ثانيا: التجزئ يتيح الوصول إلى نتائج مرحلية صغيرة و إن كانت تحرز تقدما بطيئا ولكنها على المدى البعيد مجدية حتى وإن تغير النظام. وكذا جرت سنة الدنيا فأبطئ الأشياء حدوثا هي أطولها دواما , وأبقاها أثراً, و أعمقها تأثيراً.

إذا تبقى عدة استنتاجات بديهية عن خصائص تلك الثورات الجزئية وأهلها منها:

  1. تنحصر الطلبات في طلب واحد… أو الدفع إلى مَفسده واحدة من أفراد ربما لا يكون لهم أي نشاط سابق.
  2. تفتقر الأنشطة أو الحركات إلى برنامج واضح في بدايتها…من ناحية لأن القائمين عليها يفتقرون إلى أي خبرة تنظيمية, ومن ناحية أخرى لأنها ليست في حاجة حرجة إلى برنامج إلا إذا زادت المطالب أو خطورتها مثال: الجمعية الوطنية للتغيير{3}.  ولكن يبقى الهدف واضحا و الحاجة إليه ملحة.
  3. مشجعي و أعضاء كل حركة أو مطلب ربما يدعمون أكثر من طلب كلٌ على قدر طاقته واهتماماته. لذا كان طبيعيا أن يكون لكل منهم “قبعة” مختلفة في كل جماعة على عكس ما أثار البعض {4}.
  4. يشتد ذعر أعضاء كل دعوة أو حركة  لو خرجت المطالب عن المطلب الرئيسي… كشخصنة المطالب (كأن يمتد الهتاف ليطول شخصية سياسية بالسوء) فيشعر كل عضو في الدعوة أو الحركة وكأنه عدو شخصي لتلك الشخصية(وهو ما لا يقدر عليه أي منهم). والأولى أن تحصر المطالب في مواضيع وليست أشخاص. فالأشخاص تتغير بتغير الدنيا و الأحوال قائمة ما قام العباد.
  5. طبيعي أن تنشأ خلافات لو كان أحد أعضاء الحركة له “قبعة” أخرى تتعارض مع أسس المطلب أو تتربح منه بشكل غير مباشر.

ونخرج من ذلك بسؤال: ماذا لو كان النظام القائم عشوائيا بطبعه و فيه تلك القوى الصغيرة المتناحرة الموجهه لأهدافها… هل تحدث أثرا … وهل نرى نتيجة؟!

أولا: وجود نظام أي نظام حتى ولو كان عشوائيا  بل و ظالما… ضروري!  فقد رأينا في الطبيعة أنه حتى العشوائية في الحركة يمكن تمثيلها بمعادلات رياضية و قياسات رقمية. وقياسا على العلوم السالف ذكرها… نظن ظن اليقين أنه حتى في وجود عشوائية هناك نتيجة محصلة ترجى.

ثانيا: الآثار لتلك الثورات الجزئية  تبدو بوادرها جلية, فمنذ عدة أعوام لو تضرر أحدهم من ضرر كان, كان المتضرر يذهب إلى مجلس الشعب مباشرة يتطلع بأمل إلى البوابة لعله يتعرف على نائب يشكو إليه حاله و يعينه على أمره, فإن صعب  الأمر على النائب فهو في انتظار “تأشيرة” من وزير… إلخ.  على كل حال لم يكن عدد المطالبين كثير وكان الغالبية يحصلون على بغيتهم بشكل أو بآخر!  أما الآن فهم في ازدياد مستمر فلقد بلغ عدد الإضرابات فى مصر من خلال تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز 1900 إضراب شارك فيها مليون وسبعمائة ألف عامل وموظف من مختلف قطاعات الشعب المصري وقد وصفت هذه الموجة من الأحتجاجات والأضرابات بأنها ” أكبر حركة اجتماعية تشهدها مصر خلال النصف قرن الأخير{5}. و منهم من طال اعتصامه فوق المائة يوم أمام مجلس الشعب وما من مجيب{6}… ليس لأن النواب لا يذهبون إلى المجلس –لا سمح الله- ولكن لأن المشاكل ـتأصلت جذورها في المجتمع و أصبح من الصعب اجتثاثها في يوم و ليلة أو عن طريق باب واحد –مجلس الشعب- فخرجت إلى كل الأبواب المتاحة أملا في إجابة. وهنا يتحول الشخص العادي إلى “ثائر جزئي” بدون وعي.  فالذين انتصروا لمقتل خالد سعيد هم في ثورة جزئية ضد العنف و المطالبين بحقوق مصريي الولايات المتحدة في الانتخاب هم في ثورة جزئية…  إلخ. مجرد الخروج من الصمت إلى التذمر و إعادة ذكره وذكر السبب الحقيقي له هو ثورة جزئية.

إذا ما النتائج المرجوة من مثل تلك الحركات الجزئية؟

أشد من الفساد… التعود عليه. و أشد من الفشل… الاستطراد فيه. إن جل ما يمكن أن تصل إليه تلك الحركات أن  تثبت الفساد و تعريه من شرعيته. أو أن تشحن روح المنافسة و الحلم بغد أفضل في جسد الميت من شباب الوطن و أهله. فأن يصدح المريض بمرضه هذه خطوة طويلة. و أن يخرج من حيز القول إلى إطار الفعل هذه رحلة أطول… أفضل ما قيل فيها من تشومسكي{7}: إذا أردت أن تحدث تغييرات فى العالم، عليك أن تشارك يومياً فى العمل البسيط والدءوب، وربما الممل، من أجل اجتذاب أشخاص مهتمين بالقضية التى تهتم بها، وأن تبنى منظمة أكبر قليلاً، وتنتقل من خطوة إلى الخطوة التى تليها، وأن تواجه الإحباط فى كل مرحلة، ثم تصل إلى مكان ما فى النهاية، هكذا يتغير العالم، هكذا تتخلّص من العبودية، وهكذا تحصل على حقوق المرأة، وتحصل على حق التصويت، وهكذا يحمى العمّال حقوقهم، أو يتحصلون عليها، لقد تحقق كل مكسب كبير عن طريق هذا النوع من الجهد، لا من مشاركة الناس فى مظاهرة واحدة، والانسحاب عندما لا يحدث شىء، أو التصويت مرة واحدة كل عدة سنوات، ثم العودة إلى البيت.{8}

(4)

من لا يقدر على نفسه… لا يقدر على غيره.

(5)

لا تسكن… أثر الأرض… ولا تكن كبقرة آل إسرائيل!!  {9}

م. أحمد عبد الحميد
باحث عربي في أوروبا البلد
يوليو 2010
لوفان-بلجيكا

مراجع:

1. بلاحدود: د. جلال أمين – أبريل 2008 : كيف يستطيع الناس على المستوى الفردي في مواجهة الفساد؟   دقيقة 33

2. معنى أثيروا من لسان العرب: هنا
3. الجمعية الوطنية للتغيير: هنا
4. روزاليوسف: حركات حركات –عبد الله كمال 23 يوليو: هنا
أُثير سجال بينه و بين عدد من الصحفيين و مستخدمي فيس بوك في الفترة الأخيرة… راجع:
المصري اليوم:  عبد الله كمان و كمان – جلال عامر  أكتوبر 2009: هنا
صفحة: مخبر على درجة رئيس تحرير: هناا
5. الجزيرة توك: ديمقراطية بريطانيا وديمقراطية مصر ؟ !! --أحمد منصور, مايو 2010: هنا
6.  المصري اليوم:  الأمن يفشل فى إنهاء اعتصام أهالى طوسون أمام الزراعة, 20 يوليو 2010 : هنا
7. عن نعوم تشومسكي: هنا و هنا
8. اليوم السابع: المظاهرات وحدها لا تكفي – تشومسكي: هنا
9. عن بقرة بني إسرائيل:  أنها ليست مروضة .. لا أحد قادها ولا قامت بعمل .. إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد .. “تثير الأرض” أي لم تستخدم في حراثة الأرض أو فلاحتها. تفسير الآية: هنا

10. الدستور:  إضرابات تفضلوا بقبول فائق الاحترام-- إبراهيم عيسى: هنا

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ (آل عمران 110)

شاركها من يفيده قرائتها!

م. أحمد عبد الحميد
باحث عربي في أوروبا البلد
يوليو 2010
لوفان-بلجيكا

  Copyright secured by Digiprove © 2011 Ahmed AbdelHamid

اقرأ أيضا:

مجلة من أوروبا البلد 3 || اكتشاف الحرية
عدد أبريل من مجلة "من أوروبا البلد" و هو العدد الثالث من تحرير إنجي فودة.
فكراطية
قد يبدو ما كتبت جنونا, ولكن أظن أن من وضعوا فكرة النظام الديمقراطي الأساسي به...
في تقبيل تراب التحرير
دعيت لإلقاء محاضرة عن الديمقراطية عام 2020 في أمستردام, وحيدا بعروبتي في وسط جم...
مشاكسة: أنا مش سلفي
أتفهم أن كثيرا ممن مروا مثلنا بمرحلة عمرو خالد و أحبوا الدين لم يجدوا مخرجا ل...
المقامة السويسرية... الشيخ عبد الكريم الدسوقي
الشيخ الدسوقي, كانت أولى سفراته خارج حدود الوطن بعد الدراسة والعمل في الوطن ا...

About the Author

أحمد عبد الحميد: يعمل حاليا باحثا للنانو إلكترونيات بمركز الأبحاث إيمك و هو مدرس مساعد بجامعة بروكسل ببلجيكا, حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الاتصالات و الالكترونيات عام 2005 من جامعة الإسكندرية, و حصل بعدها على درجة الماجيستير في الأنظمة مدمجة و إدارة الأعمال عام 2007 من جامعة لوجانو بسويسرا. الموقع الرئيسي: www.ahmedabdelhamid.com/main , للتواصل معه: a@ahmedabdelhamid.com